سيبقى الصراع جزءاً أساسياً من ثقافة البقاء بين الأفراد والجماعات، سيبقى طالما كانت هناك موارد خام لها سقف استخدام واستنزاف يقود لندرتها، وسيبقى طالما كانت هناك قوى عالمية خفية خلف الكواليس لها معاييرها الخاصة لشكل الحياة على الكرة الأرضية والإنسان المثالي، واحتكار معرفي للمصادر والبيانات والعلوم الخارقة، والحاجة لصنّاع الأسواق والمستهلكين.

فالنوع البشري على العموم في سعي دائم لإيجاد بدائل لبقائه. أما النوع البشري المُختار فيسعى في مسارات صراع بقاء الأقوى للتقليل من نسبة السكان المستهلكين مقابل المنتجين إنتاجاً نوعياً، وإنْ كانت حتمية الصراع مسلّماً بها إلّا أن حدته، والتعايش من خلاله، وتحويل مخاطره لفرص أمور سانحة للجميع، متى ما تم الوصول لاتفاق جزئي أو كلي يحيّد عوامل قوة إشعال نار الصراع، ويجعل قبوله ضمن دورة صيرورة الكائن البشري، وتنظيم الصراع وفق احتياجات أساسية وتمكينية في المجتمعات البشرية، وإن كانت الصفات الجينية الموروثة هي حطب نار تأجيج نار الصراع دائماً وأبداً.

ففي المنظومة السياسية للدولة الحديثة تكون هذه الدولة أو تلك في صراع ونزاع وتوتر على مدار الساعة، وفي حالة استعداد وجاهزية مستمرة لخوض حرب، أو المساهمة في صراع مسلّح أو غير مسلّح بالوسائل السلمية أو غير السلمية، أو صد عدوان حرب بغض النظر عن نوع الحرب والصراع، ولا يوجد سلام بل درجات توتر متفاوتة في الداخل والخارج، حيث يسخّر الصراع كنوع من أنواع قوى الدولة لإخضاع الآخرين لمصالح الدولة أو الحلف، وتسليط الضغوط الشديدة. وربما تنشب الصراعات لإجبار أحد الأطراف على قبول ما يقترحه الفاعل الرئيسي أو الوسيط، وهو ما يجعل المؤسسات الأممية كالأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات الدولية عاجزة عن ممارسة دورها بحيادية في ظل طبيعة الصراع بين القوى الكبرى والصغرى وحجم تأثيرها عليها، وكل ذلك مغلّف بالطبيعة البشرية والقيم المتضاربة بين الثقافات، والنظرة المتباينة للعدالة ونسبية المفاهيم فيما يتعلق بالخير والشر.

ومن جانب آخر، تلعب ثورة الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة - وبدرجة كبيرة -في عولمة النزاعات والصراعات المحلية والإقليمية والدولية، انطلاقاً من وضع الضغوط على الحكومات من الداخل والخارج. ويسفر هذا عن تمكين أيديولوجيات متطرّفة عابرة للحدود الدينية وغير الدينية، وجعلها تنتشر كالنار في الهشيم، ولن تجدي نفعاً محاولة فرض أسلوب حياة «مُعولم» قاد الكثير لرفض الآخر وعدم القبول به أو التعايش معه كردة فعل للحفاظ على الهوية الوطنية، كما أن اليسار المتطرف مثل اليمين المتطرّف، يجعل من الهوية الدينية أو العرقية أو الثقافية أو الصناعية والمعرفية مدخلاً للصراع والصدام داخل المجتمعات، والتعصّب والاستعلاء والشعور بالتفوق الأخلاقي على الآخرين، ناهيك عن أن مفهوم التنمية يكون قاصراً عندما يعتمد على التنمية الاقتصادية فقط، وعندما لا يوجد دور للثقافة والقيم والهويات المحلية كأجزاء من التنمية الشاملة، وخاصةً أن الأفكار والتوجهات والأنماط الاستراتيجية والمدارس الفكرية للأمم تلعب دوراً أساسياً في تعريفها للعدو والصديق.

 

سالم سالمين النعيمي*

* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات