صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

دوافع أسكتلندا للانفصال

قد يؤدي الاستفتاء المزمع تنظيمه في أسكتلندا الأسبوع الجاري إلى فقدان المملكة المتحدة لما يقارب ثلث حجم أراضيها، وخسارتها 8 في المئة من سكانها، وربما سقوط رئيس حكومتها الحالي. واللافت أنه في صيف ساخن ومليء بالصدمات، يبدو أن انقسام أحد أعضاء مجلس الأمن الدولي البارزين أقرب إلى التحقق من تشظي العراق. وفي أغلب الأحاديث التي جمعتني مع مواطني أسكتلندا خلال زيارتي لها قبل شهر، كان التوقع الأبرز أن معركة الانفصال التي أطلقها الحزب القومي الأسكتلندي ستكون خاسرة على الأرجح، لكن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن نصف الناخبين الأسكتلنديين تقريباً يأملون في الافتراق النهائي عن لندن. والحقيقة أن امتعاضهم من السلطة المركزية التي تمثلها العاصمة لم يكن وليد اللحظة، بل هو تراكم استمر على مدى ثلاثة عقود على الأقل، لاسيما خلال فترة رئيس الحكومة الراحلة، مارجريت تاتشر التي يقول عنها جايسون كاولي، رئيس تحرير أسبوعية «ذي نيو ستايتسمان»، إنها ساهمت أكثر من القوميين الأسكتلنديين أنفسهم في تكريس فكرة الاستقلال من خلال سياسات الخصخصة وتحرير الاقتصاد ونزع الطابع الصناعي عن البلاد، وهو ما يفسر إلى حد كبير انعدام وجود أي تأثير لحزب المحافظين في أسكتلندا، والمشاعر السيئة التي يستدعيها اسمه في نفوس الأسكتلنديين.

والأمر لا يقتصر على حزب المحافظين، بل تمتد نقمة الأسكتلنديين أيضاً إلى الحزب العمالي الذي تزعم تحت قيادة توني بلير مشعل الخصخصة وتحرير قطاع الرعاية الصحية.

وبصرف النظر عن الاتهامات المتبادلة التي اندلعت في لندن بشأن الجهة المسؤولة عن مشاعر الانفصال الأسكتلندية، وإلقاء اللائمة على كاميرون الذي دعا إلى تنظيم الاستفتاء وحصره في خيارين إما الوحدة أو الانفصال، يبقى أن التمرد الأسكتلندي جزء من اتجاه عالمي أشمل. فالحكومات في جميع أنحاء العالم التي تفشل في ضمان حد أدنى من النمو العادل والرعاية الاجتماعية، تتعرض شرعيتها للاهتزاز. هذا الأمر يمكن تسجيله من خلال نسب المشاركة المنخفضة في الانتخابات، والعزوف السياسي بصفة عامة، أو الصعود الكبير لبعض القوى السياسية التي تتحدى الوضع القائم والنخب التقليدية. لكن الأحداث الجارية في أسكتلندا تشير إلى احتمال أكثر تطرفاً يتمثل في توجه المواطنين الغاضبين إلى رفض الحكومات غير التمثيلية من خلال تقسيم الدولة.

ولعل نظرة سريعة على موجة حركات تقرير المصير التي انطلقت على امتداد القرن العشرين تظهِر بوضوح أنها نتيجة مباشرة للعجز في الحكامة الجيدة، وفقدان السيادة، فضلا عن الدخول في حروب عبثية واندلاع الأزمات الاقتصادية المستعصية والتي تسرع كلها من عملية الانقسام السياسي.

وقد زاد في توجه الشعوب نحو المطالبة بالانفصال وتشكيل كيانات مستقلة ما يشهده العالم من ثورة الاتصالات التي بقدر ما سهلت عملية تدفق المال والتجارة، فقد دفعت الناس نحو التشدد. ذلك أن الهواتف الذكية مثلا تنفع في التجارة الإلكترونية والشراء عبر الإنترنت بنفس الدرجة التي تؤجج فيها المشاعر القومية وتشجع على الانفصال.

----------------------

بانكاج ميشرا

كاتب وروائي هندي

-----------------------

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوسطت وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟