ما زالت زيارة الرئيس الأميركي «جو بايدن» إلى منطقة الشرق الأوسط تشغل الكثير من القنوات والصحف والمحللين، الذي دفعنا إلى تحليل أبعادها الدولية عبر فكرة نهاية التاريخ.
فقد حولت واشنطن المنظومة الليبرالية الغربية من نظام فرعي في النظام الدولي إلى نظام معولم، كنتيجة حتمية كما وصفها «فرانسيس فوكوياما» في فكرة «نهاية التاريخ» بعد الحرب الباردة، والتي تعني انتصار وانتشار الليبرالية الغربية على منافسيها الإيديولوجيين باعتبارها وسيلة لتنظيم المجتمع والنظام الدولي.

لذا يحتل صعود الصين كقوة اقتصادية وعلمية وعسكرية في هرم النظام الدولي الأهمية الأولى في الخطورة على الدور الأميركي ومنظومتهِ الليبرالية في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ.
وهكذا الحرب الروسية- الأوكرانية، فرغم مآسي الحرب وتداعياتها من العقوبات وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الرئيسية، إلا إننا نجد حقيقة هذه الحرب يختزلها وصف توماس فريدمان: «روسيا ترفع غصن الزيتون أمام العولمة الغربية».

أي أن روسيا الاتحادية ترفع من شأن الدولة القومية ذات السيادة والخصائص الثقافية ضد تمدد المنظومة الليبرالية في أوروبا الشرقية والوسطى. وبهذا تخسر واشنطن الدور الروسي الكامن لتحقيق الاستقرار حول العالم.
لطالما حُددت المصالح الأميركية في الشرق الأوسط عبر أمن إسرائيل وإتمام عملية السلام، والنفاذ إلى النفط، والحيلولة دون بروز مهيمن إقليمي عدواني، ومنع انتشار أسلحة الدمار، ومكافحة الإرهاب. فقد أسفرت الزيارة الأميركية لإسرائيل عن التوقيع على إعلان القدس الصارم في التزام واشنطن بأمن تل أبيب وتفوقها العسكري النوعي وعدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي.

وفي أثناء هذه الزيارة، عُقدت القمة الافتراضية (I2U2) جامعةً قادة الولايات المتحدة والهند والإمارات وإسرائيل لتكثيف التعاون في الاقتصاد والتنمية، ويشير هذا الاجتماع إلى رغبة واشنطن في تعزيز دور الهند في الشرق الأوسط.

فالزيارة الأميركية إلى السعودية مع القمة العربية الأميركية أكدت إصرار واشنطن الحفاظ على الرياض كحليف مهم وتاريخي بعيداً عن الصين وروسيا، حيث خرجت اتفاقيات تعاون في مجالات عدة مع السعودية، وصرحت واشنطن بأنها لن تترك فراغاً في الشرق الأوسط لتزايد النفوذ الروسي والصيني، مما أثار حفيظة بكين بقولها الشرق الأوسط ليس فناء خلفياً لأحد. هذا الوضع سيقود إلى زيادة حدة الصراعات الجيوسياسية العالمية بين واشنطن وبكين وموسكو. كما أن مسار السلام مع إسرائيل يتمدد خاصةً بعد إعلان «بايدن» أن قوات حفظ السلام ستغادر جزيرة تيران نهاية العام الحالي بعد أكثر من 40 عاماً.
نفترض في الأحداث الجارية «من بروز منظور سيادة الدولة القومية والخصائص الاجتماعية المختلفة عبر سياسات بعض الدول، ومع حقيقة أنهُ أصبح نسقاً اجتماعياً متزايداً حول العالم بما في ذلك بعض شرائح المجتمعات والأحزاب الغربية»، بأنها كفيلة بتقويض فكرة نهاية التاريخ في النظام الدولي، والتي ترتبط بها الولايات المتحدة في ريادتها العالمية.


* كاتب ومحلل سياسي