وجهات نظر

حرية العبادة من دون دور للعبادة!

لا يكاد يخلو دستور عربي من عبارة «حرية الاعتقاد والعبادة مكفولة للجميع»، أو عبارات قريبة منها تؤكد أن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن الدولة كافلة لحرية الضمير وتحمي حرية القيام بشعائر الأديان، وأنه لا تمييز بين الناس بسبب الدين. وفضلاً عن تلك التأكيدات، فلم تخص هذه الدساتير بموادها الأديان السماوية، بل جاءت نصوصها عامة تشمل أي منظومة دينية، لا فرق بين دين سماوي وآخر غير سماوي.

وفي الأبحاث حول حرية الاعتقاد في الإسلام، وفي الخطب وعلى المنابر وعبر الشاشات الفضائية، ثمة تأكيد على أن الإسلام حمى التفكير الحر، وألزم باحترام حق الإنسان في اعتقاد ما يشاء وتركه وما يعبد، وضمن لغير المسلمين حقهم في ممارسة طقوس دينهم، ومنحهم حق بناء دور لعبادتهم ومنع من الاعتداء عليها. وربما الفارق بين تناول الموضوع دينياً وتنظيمه دستورياً، أن الأديان في لغة الباحثين هي الأديان السماوية فقط، وهذا على أي حال من آثار الجمود والانغلاق.

هكذا نجد أن حرية الضمير والاعتقاد والعبادة مكفولة قانوناً لأتباع الأديان كافة، ومكفولة شرعاً لأتباع الأديان السماوية، مع وجود فئات قليلة تحرّم بشكل واضح بناء أي دار لعبادة غير المسلمين، بحجة أن تلك العبادات على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها، وهذه الفئات المتشددة خارج نطاق هذا المقال.

ورغم هذا وذاك، فلا توجد في الكثير من دول الشرق الأوسط دور عبادة لغير المسلمين، وبعض تلك الدول توجد بها أماكن لعبادة أتباع الأديان السماوية فقط، وغالباً على نطاق ضيق لا يتناسب أبداً مع أعدادهم، على الرغم من أن هذه المنطقة تضم عشرات الملايين من غير المسلمين، سواء من مواطني تلك الدول أو من المقيمين فيها، من أتباع الأديان السماوية وغير السماوية.. فهل هناك حلقة مفقودة بين الكلام والواقع؟ وهل هناك سرّ في عدم اقتران الأقوال بالأفعال؟

أعتقد أن الأمر مثل الكثير من الأشياء التي جرى تفريغها من معناها حتى أصبحت بلا نكهة، فقد جرى تعليق عبارة «حرية الاعتقاد والعبادة مكفولة للجميع» في الهواء من دون أن تكون لها أي صلة بالواقع على الأرض، مثل سحابة لا تمطر، موجودة هكذا في صفحة السماء.

وقد جرى إبطال مفعول العبارة من خلال التذاكي والقول بأن كفالة حرية الاعتقاد والعبادة لا تعني السماح لغير المسلمين ببناء دور يمارسون فيها اعتقاداتهم وعباداتهم، إلى درجة أن خبر افتتاح كنيسة أو معبد يقيم الدنيا ولا يقعدها فوق رؤوس من يؤكدون حرية الاعتقاد والعبادة.

وهكذا يصير معنى عبارة «حرية الاعتقاد والعبادة مكفولة للجميع» في الواقع والحقيقة وليس على اللسان وعلى الأوراق هو أنه لا سلطان لأحد على ضمير غير المسلم، وأن غير المسلم في داخل نفسه يستطيع أن يعتقد بما يشاء ويعبد ما يشاء، ولن يتدخل أحد لتغييره من داخل مكنون نفسه.. وهكذا نكون قد كفلنا له حرية الاعتقاد والعبادة!

الكاتب

شارك برأيك

 هل تعتقد أن إعلان ترامب حول القدس وضع نهاية للدور الأمريكي في عملية السلام؟

هل تعتقد أن إعلان ترامب حول القدس وضع نهاية للدور الأمريكي في عملية السلام؟