• الثلاثاء غرة جمادى الآخرة 1438هـ - 28 فبراير 2017م
مقالات أخرى للكاتب

فن‎‮ ‬إدارة‮ ‬الآخرين‮!

تاريخ النشر: الأربعاء 15 يناير 2014

في‎‮ ‬علم‮ ‬الإدارة‮ ‬والسلوكيات‮ ‬البشرية،‮ ‬فإن‮ ‬إدارة‮ ‬مؤسسة‮ ‬أو‮ ‬وزارة‮ ‬أو‮ ‬حتى‮ ‬وطن‮،‮ ‬لا‮ ‬تختلف‮ ‬من‮ ‬حيث‮ ‬الفكرة‮ ‬الأساسية‮ ‬عن‮ ‬إدارة‮ ‬أسرة‮ ‬أو‮ ‬حتى‮ ‬فريق‮ ‬كرة‮ ‬قدم‮‬،‮ ‬طالما‮ ‬كان‮ ‬القاسم‮ ‬المشترك ‬هم‮ ‬البشر‮،‮ ‬إن‮ ‬الأمر‮ ‬لا‮ ‬يختلف‮ ‬إلا‮ ‬بشكل‮ ‬طفيف‮ ‬له‮ ‬علاقة‮ ‬باختلاف‮ ‬تأثيرات‮ ‬الثقافة‮ ‬والبيئة‮ ‬وتوجهات‮ ‬هؤلاء‮ ‬البشر‮ ،‮ ‬فلاعب‮ ‬كرة‮ ‬القدم‮ ‬حتما‮ً ‬تختلف‮ ‬إدارته‮ ‬عن‮ ‬المراهق‮ ‬العادي‮ ‬في‮ ‬الأسرة‮،‮ ‬وكلاهما‮ ‬في‮ ‬نهاية‮ ‬الأمر‮ بشر،‮ ‬لهما‮ ‬الاحتياجات‮ ‬نفسها‮، ‬والرغبات‮ ‬والمطامح‮ ‬والنفس‮ ‬التواقة‮ ‬لأشياء‮ ‬متضاربة‮ ‬ومتناقضة‮ ‬وبسيطة،‮ ‬وأحيانا‮ً ‬مستحيلة‮ ‬جدا‮ً!

مهمة‎‮ ‬الإدارة‮ ‬أن‮ ‬تتلمس‮ ‬كل‮ ‬ذلك،‮ ‬وأن‮ ‬تعمل‮ ‬على‮ ‬تحقيقه‮‬،‮ ‬فليس‮ ‬صحيحا‮ً ‬أن‮ ‬الموظف،‮ ‬كما‮ ‬يعتقد‮ ‬البعض‮ ‬شخص‮ ‬يأتي‮ ‬للمؤسسة‮ ‬بناء‮ ‬على‮ ‬تعاقد‮ ‬محدد‮ ‬يبيع‮ ‬جهده‮ ‬مقابل‮ ‬أجر‮ ‬فقط‮ ،‮ ‬هو‮ ‬ليس‮ ‬ماكينة‮ ‬أو‮ ‬طاحونة‮ ‬حجرية‮‬،‮ ‬هو‮ ‬إنسان‮،‮ ‬لديه‮ ‬ما‮ ‬لا‮ ‬يحصى‮ ‬من‮ ‬المشاعر‮ ‬والتوجهات‮ ‬والقناعات‮ ‬في‮ ‬المسافة‮ ‬بين‮ ‬الجهد‮ ‬والأجر‮،‮ ‬وعلى‮ ‬من‮ ‬يدير‮ ‬المؤسسة‮ ‬أن‮ ‬ينجح‮ ‬أولا‮ً ‬في‮ ‬إدارة‮ ‬البشر،‮ ‬ليقول‮ ‬بصوت‮ ‬عال‮ ‬إنه‮ ‬مدير‮ ‬ناجح،‮ ‬أو‮ ‬على‮ ‬الأقل‮ ‬مدير‮ ‬جيد‮،‮ ‬لأن‮ ‬هناك‮ ‬مديرين‮ ‬سيئين‮ ‬بامتياز،‮ ‬ومع‮ ‬سبق‮ ‬الإصرار‮ ‬والترصد‮،‮ ‬يجعلون‮ ‬مهمتهم‮ ‬نزع‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬له‮ ‬علاقة‮ ‬بالصفة‮ ‬الإنسانية‮ ‬داخل‮ ‬المؤسسة‮،‮ ‬فيحولونها‮ ‬مع‮ ‬مرور‮ ‬الوقت‮ ‬إلى‮ ‬معسكر‮ ‬عمل‮ ‬بائس‮،‮ ‬يمتص‮ ‬عصارة‮ ‬الطاقة‮ ‬والروح‮ ‬مقابل‮ ‬مال‮ ‬لا‮ ‬يعوض،‮ أو‮ ‬لا‮ ‬يقارن‮ ‬بما‮ ‬دفع‮ ‬لأجله‮!

وحده‎‮ ‬الشرط‮ ‬الإنساني‮ ‬للإدارة‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مستوى،‮ ‬من‮ ‬يرقى‮ ‬بالسلوك‮ ‬والمردود‮ ‬النهائي‮ ‬للعمل‮،‮ ‬فيرفعه‮ ‬من‮ ‬المستوى‮ ‬الحيواني‮ ‬القهري‮ ‬إلى‮ ‬المستوى‮ ‬الإنساني‮ ‬ذي‮ ‬القيمة‮ ‬الاعتبارية‮ ‬العالية‮‬،‮ ‬ولهذا‮ ‬اخترع‮ ‬أحدهم‮ ‬مسابقة‮ ‬سنوية‮ ‬في‮ ‬الولايات‮ ‬المتحدة،‮ ‬تعلن‮ ‬نتائجها‮ ‬سنويا‮ً ‬تحت‮ ‬عنوانين‮ ‬لافتين‮:‮ ‬المدير‮ ‬الجيد‮ ‬والمدير‮ ‬السيئ‮ ،‮ ‬وفيها‮ ‬يتبارى‮ ‬الموظفون‮ ‬في‮ ‬الإدلاء‮ ‬بآرائهم‮ ‬في‮ ‬مديريهم‮، ‬معززين‮ ‬تلك‮ ‬الآراء‮ ‬بأمثلة‮ ‬من‮ ‬السلوكيات‮ ‬اليومية‮ ‬التي‮ ‬يسلكها‮ ‬هؤلاء‮‬،‮ ‬وفي‮ ‬النهاية‮ ‬يتم‮ ‬اختيار‮ ‬المدير‮ ‬الجيد،‮ ‬بناء‮ ‬على‮ ‬معايير‮ ‬وأمثلة‮ ‬سلوكية‮ ‬حقيقية‮ ‬من‮ ‬واقع‮ ‬الممارسة‮ ‬اليومية‮ ‬مع‮ ‬موظفيه‮‬،‮ ‬والمدير‮ ‬السيئ‮ ‬كذلك‮‬،‮ ‬ولا‮ ‬ينسى‮ ‬منظمو ‬هذه‮ ‬المسابقة‮ ‬أن‮ ‬يذكروا‮ ‬أكثر‮ ‬الأمثلة‮ ‬سوءا‮ً ‬على‮ ‬سبيل‮ ‬التنفير‮، ‬وربما‮ ‬التشهير‮ ،‮ ‬وأكثر‮ ‬الأمثلة‮ ‬إنسانية‮ ‬على‮ ‬سبيل‮ ‬التشجيع‮ ‬والاقتداء‮!

وككتاب‎‮ ‬وصحفيين‮ ‬نتلقى‮ ‬يوميا‮ً ‬العديد‮ ‬من‮ ‬الملاحظات‮ ‬والمكالمات‮ ‬التي‮ ‬يشكو‮ ‬أصحابها‮ ‬أنماطاً‮ ‬سلوكية‮ ‬غريبة‮ ‬من‮ ‬قبل‮ ‬مسؤوليهم‮،‮ ‬تنم‮ ‬عن‮ ‬انحراف‮ ‬في‮ ‬الشخصية‮ ‬وعدم‮ ‬فهم‮ ‬لطبيعة‮ ‬أدوارهم‮، ‬ولأهمية‮ ‬القيادة‮ ‬وطريقة‮ ‬توظيف‮ ‬السلطة‮،‮ ‬وما‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬يقود‮ ‬إليه‮ ‬القهر‮ ‬أو الضغط‮ ‬الذي‮ ‬يمارسونه‮ ‬على‮ ‬موظفيهم‮ ‬على‮ ‬إنتاجيتهم‮ ‬وعلاقتهم‮ ‬بالمؤسسة‮‬،‮ ‬وقد‮ ‬يكون‮ ‬جيدا‮ً ‬الإفادة‮ ‬مما‮ ‬لديهم‮ ‬من‮ ‬حصيلة‮ ‬معلوماتية‮ ‬جيدة‮‬،‮ ‬كما‮ ‬سيكون‮ ‬مهما‮ً ‬اخضاع‮ ‬من‮ ‬يتقدم‮ ‬لوظائف‮ ‬المستوى‮ ‬الإداري‮ ‬لاختبارات‮ ‬ومقاييس‮ ‬ودورات‮ ‬سلوكية‮،‮ ‬تعزز‮ ‬توجهات‮ ‬مطلوبة‮ ‬وتعدل‮ ‬مسار‮ ‬توجهات‮ ‬سلبية‮،‮ ‬تفاقهما‮ ‬السلطة‮ ‬والمنصب‮ ‬فيهم‮، ‬اذا‮ ‬لم‮ ‬يتم‮ ‬تقويمها‮ ‬منذ‮ ‬البداية‮.

إن‎‮ ‬المدير‮ ‬والرئيس‮ ‬ورب‮ ‬الأسرة‮ ‬يديرون‮ ‬أشخاصا‮ً ‬في‮ ‬مستويات‮ ‬عمرية‮ ‬وثقافية‮ ‬متعددة‮،‮ ‬وهؤلاء‮ ‬بدورهم‮ ‬يديرون‮ ‬أفرادا‮ً ‬آخرين‮ ‬يقعون‮ ‬في‮ ‬مستويات‮ ‬مختلفة‮ ‬من‮ ‬حياتهم‮ ‬كأبنائهم‮ ‬وأفراد‮ ‬عائلتهم‮،‮ ‬وأصدقائهم‮ ‬وعلاقاتهم‮ ‬المتعددة‮ ‬وجيرانهم‮ ‬وزملائهم‮ ‬في‮ ‬العمل‮‬،‮ ‬وهي‮ ‬علاقات‮ ‬تشبه‮ ‬الدوائر‮ ‬المتداخلة‮، ‬والتي‮ ‬تكمل‮ ‬بعضها‮ ‬وتقود‮ ‬لبعضها‮ ‬بعضاً‮‬،‮ ‬ولذا‮ ‬فالذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف‮ ‬كيف‮ ‬يدير‮ ‬أسرته‮،‮ ‬وعلاقاته‮ ‬بأصدقائه‮،‮ ‬وجيرانه‮،‮ ‬لن‮ ‬يعرف‮ ‬كيف‮ ‬يدير‮ ‬مؤسسته‮ ‬حتماً‮ ‬ففاقد‮ ‬الشيء‮ ‬لا‮ ‬يعطيه،‮ ‬والقفز‮ ‬للأمام‮ ‬بقهر‮ ‬الآخرين‮ ‬لا‮ ‬يحل‮ ‬المشاكل‮ ‬مع‮ ‬الأقربين‮ ‬أبدا‮ً‬.‮

ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا