صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

إنقاذ الشيعة العرب من «حزب الله»



المقامرة الخاسرة التي انخرط فيها «حزب الله» بتأييد نظام الأسد الباطش في سوريا لم تدمر وحسب موقع الحزب في المشهد السياسي العربي، بل وأيضاً موقع الشيعة العرب بالإجمال، والعلاقة الهشة أصلاً بين السنة والشيعة في المنطقة. ابتداء يشعر المرء بالمرارة، إن لم يكن بالقرف، نتيجة الاضطرار لاستخدام مصطلحات من نوع «الشيعة العرب» و«السنة العرب» أو كل ما ينسب مجموعة من المواطنين إلى طائفة أو إثنية. وهذا الانزلاق يدلل على فشلنا جميعاً في بناء دول مدنية حديثة قائمة على مفهوم المواطنة والمساواة الدستورية التي تهمش الانتماءات الطائفية والدينية والقبلية، وترقي مفهوم الفرد المواطن والدولة بكونها الوعاء السياسي والاجتماعي الأساسي للجماعة الوطنية. ويتحمل «حزب الله» المسؤولية الكبرى أمام التاريخ والأجيال القادمة لكونه ورط المشرق العربي في انقسام طائفي مريع ومقرف كنا في غنى عنه، وكان لدينا من المعضلات ما يفيض عن حاجتنا أصلاً. وابتداء، أيضاً، لا يعني قصر الحديث في هذه السطور على «حزب الله» أن بقية الأطراف بريئة من التسعير الطائفي ودفع الأمور نحو الهاوية التي نتجه إليها في المنطقة بخطى ثابتة. فالتطرف السلفي التكفيري ورجال دين الفضائيات الذين يستسهلون فتاوى تكفير الشيعة طولاً وعرضاً هم شركاء في جريمة الدمار المجتمعي والسياسي والثقافي التي نشهدها الآن.

ولكن «حزب الله» هو فعلاً وبكل موضوعية المتهم والمجرم الأول. فانحيازه إلى جانب الاستكبار والظلم والبطش الأسدي ومنذ الأسابيع الأولى من الثورة السورية التي بقيت شهوراً طويلة سلمية ومدنية وبعيدة عن أيدي التكفيريين و«النصرة» وغيرهم هو الذي فتح باب التخندق في معسكرات طائفية. وموقف الحزب واندفاعته الجنونية جاءت انصياعاً لأوامر طهران التي يقودها هي الأخرى هوس النفوذ في المنطقة، حيث بدت لها «معركة سوريا» معركة حياة أو موت بعد أن ضمنت «معركة العراق». ولا نعرف ما الذي تريده «إيران الإسلامية» من هذه السياسة التوسعية سوى إنها الاستمرار الطبيعي لـ«إيران الشاهنشاهية». فلئن كانت هذه صدمت الجوار العربي باحتلالها للجزر الإماراتية وتبني سياسة عنجهية متكبرة إزاء العرب، فإن الثانية كرست سياسات الاحتلال واستمرت في ذات العنجهية، ويتمدد نفوذها وتدخلها في كل الخليج ويتعداه. ومن حق إيران الدولة أن تدافع عن مصالحها في الإقليم وتبحث عن موقع يلائم قوتها، ولكن من الجريمة التاريخية والدينية أن تستغل الدين والطائفة لتحقيق تلك المصالح، لأن ذلك يعني تدمير فكرة «المواطن» في كل دولة تتدخل فيها، ويعني بسط ظلال الشك بولاء كل وجود شيعي في أي دولة عربية. و«حزب الله» ينخرط في المشروع الإيراني جملة وتفصيلاً، ويصبح أداة إيرانية تافهة. تخلى الحزب عن مقاومته وعن لبنانيته ولم يعد يفكر إلا بالأجندة الإيرانية.

أكتب هذه السطور بمرارة كبيرة خاصة وقد كنت كتبت في زمن «العصر الذهبي» لـ«حزب الله» أن الحزب بإمكانه استثمار رأس المال المقاومي والسياسي الكبير الذي راكمه والقيام بمهمة تاريخية غير مسبوقة في المنطقة هي ردم الهوة بين السنة والشيعة إلى الأبد. في ذلك «العصر الذهبي» تمتع «حزب الله» بتأييد جارف في البلدان العربية والإسلامية (السنية)، واتسع نطاق مؤيديه ليتجاوز المتدينين ويشمل علمانيين ويساريين ومسيحيين أيضاً. تحول الحزب إلى ظاهرة تاريخية: قوة سياسية شيعية في الجوهر تحقق اختراقاً شعبياً في وسط الأغلبية السنية. والمغزى الكبير لذلك تمثل في تهميش التعريف الطائفي، والانتقال إلى جوامع وطنية أخرى. كيف يمكن للحزب أن يفرط في كل ذلك التاريخ، وكل رأس المال المقاومي ذاك ويلهث وراء حاكم مستكبر وفاسد ونهايته السقوط المحتم حتى لو أطالت الحرب الدموية التي يخوضها عمره السياسي عاماً أو اثنين؟

ليس هناك أي افتئات على الحزب، بل محاكمة له بالمبادئ التي أطلقها وقال إنها تحكم سياسته ونظرته لأي حدث أو صراع. ففي عام 2009 أصدر الحزب وثيقة مهمة ومركزية نشرها إعلامياً بشكل واسع هي "الوثيقة السياسية لـ«حزب الله»"، واعتبرت حلقة مهمة من حلقات تطوره الفكري والسياسي. وتنص تلك الوثيقة على أن «معايير الاختلاف والنزاع والصراع في رؤية حزب الله ومنهجه إنما تقوم على أساس سياسي- أخلاقي بالدرجة الأولى، بين مستكبر ومستضعف، وبين متسلط ومقهور، وبين متجبر ومحتل وطالب حرية واستقلال». واليوم من حق الرأي العام، وبعضه أيد «حزب الله» في السنوات الماضية، استدعاء هذا الأساس وأسساً أخرى عديدة ناضل من أجلها الحزب وبسببها كسب تأييد شرائح واسعة في العالم العربي. ومن حق الرأي العام، في ضوء موقف الحزب وأمينه العام من ثورة الشعب السوري ووقوفه ضدها وانحيازه إلى جانب المتجبر والظالم، محاكمة «حزب الله» بناء على الأسس والمعايير التي حددها لنفسه إزاء فهم ورؤية أي صراع.

ولكن ما العمل الآن وقد حدث ما حدث ووقع الدمار الكبير. أحد أوجه وأوليات العمل هي إنقاذ شيعة لبنان وشيعة العرب من سطوة «حزب الله» والزعم بتمثيلهم. وهذا يتطلب استراتيجية على مستوى الوطن العربي وعلى مستوى كل قطر عربي يشكل الشيعة فيه مكوناً بارزاً ومهماً من الشعب. والمنطلق الأساسي في هذه الاستراتيجية يجب أن يكون «الاحتواء» وليس «الاستعداء». فالشيعة العرب هم جزء من شعوبهم العربية وأوطانهم العربية، والشريحة الأقل منهم ولاؤها يذهب إلى ما وراء الحدود، إلى إيران و«حزب الله». ومعنى ذلك الحفاظ على الغالبية والتعامل معهم من منطلق وطني ومساواتي ودستوري وعدم تحميلهم جريرة «حزب الله» أو إيران والسياسات الطائشة والمدمرة التي يقودانها. ويتطلب هذا لجم الدعاوى المتطرفة التكفيرية والمتعصبة التي تنطلق من هنا وهناك تستعدي كل الشيعة وفي كل مكان. والمنطلق الثاني في الاستراتيجية المطلوبة هو القيام بكل ما يلزم من أجل إبعاد الشيعة اللبنانيين والعرب من ورائهم عن «حزب الله» وهيجانه غير المنفلت، وكسر زعم تمثيليته للطائفة. وهذا يتطلب أيضاً الدقة في المقاربة الأمنية، خاصة التي أعلن عنها في اجتماعات مجلس التعاون الخليجي مؤخراً من تجريم «حزب الله» في الخليج وملاحقة أفراده ونشاطاته. وتحديداً هنا، يجب الحذر في عدم التوسع في تلك المقاربة والاستسهال الذي تغري به لجهة وضع كل «شيعي لبناني» محط الشكوك والاتهام. فمثل هذه السياسة تؤدي إلى عكس ما يجب تحقيقه، تؤدي إلى عسكرة الشيعة وراء «حزب الله»، واستعدائهم غير المبرر. التخوفات الأمنية لدى دول الخليج بسبب السياسات والتدخلات الهوجاء لإيران و«حزب الله» مبررة بالتأكيد، لكن ترجمتها على شكل إجراءات وسياسات ينبغي أن تكون دقيقة ومدروسة حتى لا تحقق لـ«حزب الله» ما يريده من تخندق طائفي عابر للحدود.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟