كتاب الاتحاد

كيف السبيل إلى وصالك دلني؟

تحتاج أحياناً إلى شخص ما، وتود أن تأخذك الريح إلى موئله، ولكن لا تتمكن . وبعد حنين إلى الوشائج ، يحصل لك اللقاء، تقف أمام هذا الشخص، وتتأمل الملامح، فلا تجد ذلك الإنسان الذي عرفته، واشتقت إليه إلى درجة اللوعة، واحتراق اللواعج، فتكون أنت كما أنت، أما هو فقد تحول إلى منطقة أخرى من المشاعر. أنت مازلت في الشوق القديم، في موطن الأحلام الزاهية، والابتسامة العفوية، وذاكرة الأزقة الرملية، ومحارات البحر، وريش النورس،المعقوف على سارية القارب الصغير.أنت مازلت تخبئ صور الأيام الخوالي في مخمل الذاكرة، وترسم صورة باهية عن أيام ستأتي، وتكتب رسائل مفعمة بأشعة شمس القيظ، وتحت لهيب مشاعر مسكوبة مثل حليب الطفولة. أنت هنا في عمرك هذا، في سنينك التي احترقت، بصهد، وجهد، وعهد، ووعد، ورعد، وبعد، ومازلت مستلباً من ذاك الزمان، من تلك المرحلة الملونة، مثل ثوب امرأة قروية، هفهفها نسيم المساء، مازلت، تنكب على قراءة،الكتب القديمة، وتتلو ما قاله جرير للفرزدق، وما رتلته رابعة العدوية،عن فراغ الروح من وشوشة الشيطان، مازلت تجود عرفانية ابن عربي، وابن الفارض، وذلك الحلاج المهيمن على شغاف الروح. أنت هنا في عمرك المنسحب إلى أرصفة النهايات، وبعض فرح، وأشياء أخرى تغالبك،كأنها الذبابة المشاغبة ، وأنت هنا تحث الخطا، لذاك الشخص الذي لم يزل يقف عند مكان ما من القلب، ويحرك مروحة الذاكرة تستدير أنت إلى زمن، إلى مكان، إلى حدث جلل ألم بك، وتعطي قلبك للطريق الوسيع، يقودك إلى هناك، فتجد ما لا يكن في الحسبان ، تجد وجها جامداً، مثل قطعة بلاستيكية، سلبتها الشمس الحارقة، رونقها، وبشاشتها،تجد مشاعر بشعة، مثل أحفورة قديمة قدم الدهر،تجد،عينين، وقد انسحبتا خلف جفنين، ذابلين ، وفماً فاغراً، وعقلاً شارداً، مثل طير فر من سرب. تحاول أن تضع حداً لتهور الزمان،وتدهور مضغة الحياة التي في الصدر، ولكن لا جدوى، ويبدو أنك جئت في الوقت الضائع ، وقد هرب العصفور من القفص، ولم يبق من الأشياء الصغيرة، والتفاصيل الدقيقة، سوى أثر من بعد عين . الشخص الذي كان،لم يكن الآن، فلا يد له كي يصافح، ولا لسان له كي يحييك، ولا شفتين كي يبتسم، كل الأشياء التي كانت تهز وجدان السماء، باتت في قيد المجهول، بل أنت وحدك هنا، تأتي لكي تغدق عينيك بهوى الأيام الجميلة،تعود بخفي حنين،وقلبك باسط ذراعيه لعل وعسى،ولكن (عسى) لا تنجب المرتجى، والمأمول، ولتبقى أنت كما أنت، ولكن العالم، يمضي إلى حيث تدور رحى الصواعق الزمنية.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء