كتاب الاتحاد

كيف نحمي أنفسنا من الخجل؟

الخجل وسيلة دفاعية، يستلها الخائف ليحمي نفسه من عدو مفترض، عدو وهمي من صناعة خيال مريض لشخص مرّ بمرحلة طفولية غير سوية مرتبكة فيها من اللاءات من يهد جبالاً، وما يحطم الصلب ويفل الحديد.. الخجول إنسان منكفئ، منطو على نفسه، متوجس من الآخر، مرتعب من كشف الجبين، مرتعش دوماً، مرتبك، متلفت يمنة ويسرة، مخبئ عينيه خلف رفات وخضات ورضات جفون وعيون.. الخجول لا يريد أن يرى عيون الآخرين ترمقه، ولا يريد أن يرى إحدى عينيه، والخجول متوار دوماً، متراجع، متردد، محتد، مرتد، مجتهد في الاختفاء خلف جدران وأحزان وأطنان من العرق المغموسة في أعقاب تجاعيد وتجاويد وغضون.
الخجول شخص لا يستطيع أن يقاوم خوفه، ولا يستطيع المواجهة، ولا يستطيع المبادرة، ولا يستطيع المثابرة، حتى في رفع صوته خشية من أن يصيبه الصوت المرتفع باعتداء خارجي، الخجول أحلامه لا تتعدى حاجبيه، ولا تتجاوز أخمص القدم لأنه خائف من أن يصبح تطبيق الأحلام وبالاً ومآلاً إلى مصائب لا يتمناها، ولا يريد الوقوع البتة في شراكها.. الخجول قد يكون مبدعاً ومخترعاً وورعاً، لكن الخجل ليس بسلوك إيجابي مفيد لأنه يخزن الطاقات ويبعدها عن أعين الآخرين خوفاً من الملاحظة السلبية، خوفاً من الرأي الآخر الجارح، خوفاً من الانتقاد الذي لو سمعه فقد يصيبه في مقتل.. الخجول كائن قادم من عتمة ليلية لم يظهر فيها قمر ولم يسمع فيها صوت ولا صدى.. الخجول روضته الظروف إلى درجة أنها حولته إلى كائن مذعور يهاب ظله ويخشى من صدى صوته.. الخجول دخل منذ الطفولة في الدائرة المغلقة، فانعزل وترجل حافياً، يهيم في وحشته، ولا يغار إلا من نفسه، ولا يقارع إلا ذاته.
وينشأ الخجول في مجتمع مغلق كابت، قاهر، لا آته بحجم كتل الثلج الباردة، والصغير فيه محتقر، مبتسر، لا صوت له وله أذنان كبيرتان واسعتان ليسمع ولا يفوه ببنت شفة، ينفذ ولا يقول آه ،ونظرة من الكبير، أباً أو أماً، أو شقيقاً، أو حتى مديراً تسح العرق من جبينه وتغسل هندامه بالملح المبلل بالرعشة.
واليوم ورغم اتساع الفضاء العالمي وتطور وسائل الاتصال الجماهيري إلا أن الأجهزة الحديثة، كالكمبيوتر، والبلاك بيري، ومواقع الفيسبوك والتويتر كلها أسلحة فتاكة تضطر مستخدميها إلى التقهقر أكثر والاختباء في الغرف الساكنة والباردة أكثر، واختيار العزلة للفضفضة والتنفيس في غياب الوالدين، والتعبير عن المشاعر بعشوائية وبلا قدوة ولا مثال ولا نموذج. هذه الظروف، تنتج جيلاً يتحايل على الآخر، بإخراج المشاعر بعد إجراء مونتاج مأساوي فظيع، والتواصل مع الآخر عبر فضاء ملون بالغموض والضبابية والبوح بما لا يباح بمكبر الداخل الشائه، التائه، العابث في رمل وغبار، المتشبث في حبال خيال مهترئ، القابض على اسفنجة الذات العليلة.


marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء