• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

رؤية

متاهة الفكر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 أكتوبر 2015

أمبيرتو إيكو

أودّ مناقشة موضوع مقالة كتبها حديثاً الصحفي الإيطالي يوجينيو سكالفاري تحت عنوان: المتاهة، والقول إنّ مفهوم المتاهة يعود إلى زمن بعيد جداً، وإلى رواية ثيسيوس وأريادني في الميثولوجيا الإغريقيّة. وقد تطوّر مع الوقت ليصبح مصدراً للاندهاش في عالَمَي الفنون وحتّى الفلسفة على حدّ تعبير البعض، وقد ألهمت المتاهات تصميم أرضيّات الكاتدرائيات والحدائق الكبرى، وامتدّ تأثيرها حتّى إلى دهاليز ستانلي كوبريك المقلقة في فيلم «ذا شاينينغ»، وإلى موريتس كورنيليس إيشر ولوحاته المذهلة، وإلى تصوّرات خورخي لويس بورخيس المتاهيّة.

لكنّ الضياع في متاهة مدينة كنوسوس أي متاهة ثيسيوس هو أمر مستحيل، لأنّك لو طبعت صورة جوّية عنها ورسمت مساراً بالقلم، لن يسعك إلا أن تعثر على وسط المتاهة ومخرجها، والواقع أنّ متاهة كنوسوس «أحاديّة المسار»، بمعنى أنّك لو فككتها، لوجدتَ نفسك في النهاية أمام خطّ مستقيم واحد – تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى الخيط الذي أعطته أريادني لثيسيوس لتثبيت مساره، وما يجعل متاهة كنوسوس خطيرة هو أنّ المينوتور متخفٍّ في وسطها، وبالتالي، ما إن يتمّ التخلّص من المينوتور، حتّى يصبح الخروج سهلاً.

يذكّرنا سكالفاري بأنّ مشاكل ثيسيوس تبدأ في وقت لاحق، عندما يُصبح مضطرّاً إلى اتّخاذ قرارات أخرى قد نعتبرها «مصيرية» (على غرار الاختيار بين فايدرا واريادني)، بيد أنّ الخيال الكلاسيكي لم يولّد الشبكة المعقّدة التي كانت بانتظارنا خارج المتاهة، لأنّ نموذج العالم، أقلّه حتّى العصر الحديث، كان يستند إلى الأشكال الهندسيّة المحض، ويتألّف من أشكال «مغلقة»، تشمل المجالات المتماثلة المركز، والتسلسلات الهرميّة المثلّثة، علماً أنّ أجسام البشر، من أيّام ماركوس فيتروفيوس بوليو وحتّى حقبة ليوناردو دافنشي، كانت محاطة بمربّعات، ودائرات وخماسيّات.

بحلول العصر الحديث، لم يشكّ الناس فقط في أنّ الأرض ليست مركز العالم، ولكن أيضاً في أنّ الكون في الواقع بلا نهاية، أو فكّروا في احتمال وجود عدد لا متناهٍ من العوالم، ما يعني أنّه لم يعد من الممكن تصوير الكون باعتماد الأشكال الهندسيّة. وهكذا، تحوّلت المتاهة من كونها أحاديّة المسار، إلى متاهة متعددة المسارات، بمعنى أنّه مع كلّ خطوة، كان عليك أن تختار بين مسارين، وكان أحدهما فقط صحيحاً. وأمكنك أن تضيع في متاهة متعددة المسارات. ولو تمّ تفكيكها، لما اكتشفت خطّاً مستقيماً واحداً، أو خيطاً، بل شجرة فيها عدد لا متناهٍ من الأغصان. وقد يؤدي أي مسار إلى طريق مقطوع، أو إلى سلسلة من المنعطفات والتعرجات التي قد تبعدك أكثر فأكثر عن المخرج. وإن تعذّر عليك تصوّر المشهد العام، بوسعك تكوين نظرية جديدة عند كلّ مفترق، في ما أطلق عليه عالم الرياضيات بيار روزنستيل تسمية «الخوارزميّة القصيرة النظر».

ويزداد الوضع تعقيداً في شكل ثالث من المتاهات يُعرَف بالشبكة، حيث يمكن أن تكون كلّ نقطة موصولة بالأخرى، ما يفسح المجال أمام ظهور مسارات متعددة. وفي هذا السياق، تصوّر مثلاً أن تسافر من روما إلى باريس، وأن تعبر في طريقك برلين، وبودابست ومدريد.

ويجدر التنبيه إلى أنّ الشبكة ليست قابلة للتفكيك. وبعكس المتاهات الأحادية والمتعددة المسارات التي تنطوي على داخل وخارج، تفتقر متاهة من هذا القبيل إلى أيّ من الاثنين، وقد تمتد إلى ما لا نهاية.

واليوم، نفهم أنّ تركيبة الكون شبكيّة، ولكن لا داعٍ ليخشى العلماء ذلك، لأنّه في حال تبيّن أنّ إحدى النظريات خاطئة، سيتمكنون دوماً من اختبار نظرية أخرى. (كم كان شعار «حاول وحاول مجدداً»، الذي اختارته «أكاديميا ديل سيمينتو»، إحدى أولى جمعيات العلوم الإيطالية، مناسباً)، ولكن بصفتنا أفراداً، من الصعب أن نتخلّى عن معتقداتنا. وحتّى لو أردنا، لن يسعنا تحوير مسارنا ونحن نعبر المتاهة. ومع أنّ المتاهة قد لا تتأثر بمرور الوقت، ولكنّنا لسنا نتأثّر به.

وبالتالي، تفضح المتاهة الشبكيّة أكبر مخاوفنا، والتناقضات الكامنة في داخلنا، وقدرتنا اللامحدودة على ارتكاب الأخطاء، لنؤدّي في النهاية دور المينوتور مع أنفسنا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف