• الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ - 12 ديسمبر 2017م

كيف ينظر مفكرونا إلى القيم والثقافة في مجتمعاتنا؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 فبراير 2007

الدوحة ـ علي الربيعي:

بدعوة من ''المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث'' في قطر، عقدت في الدوحة ندوة بعنوان '' التحوُّلات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم'' للفترة من 22- 25 يناير ،2007 شارك فيها سبعة عشر باحثاً ومفكِّراً عربياً وإسلامياً لمناقشة قضية التحوُّلات التي يمر بها المجتمع العربي، وعلاقتها بالجدلية والترابط بين منظومة القيم والثقافة الاجتماعية.

سادت جلسات الندوة نقاشات فكرية وسياسية معمَّقة وجادة في بعضها، وكانت في خطابها العام قد جسدت حضوراً لافتاً للسجال بين الخطابين الديني والعَلماني. ولكن لم يغب الطابع السجالي وروح المناكفة عنها أيضاً؛ حيث اتهم برهان غليون الأصوليين بالاستبداد وممارسة إقصاء الآخر المختلف فكرياً. وقال في هذا الصدد: إن الأصوليين يسعون إلى السيطرة على الرأي العام العربي بكل الوسائل والطرق الممكنة. وكذلك رأى أن هناك حصاراً فكرياً وتهميشاً يطول آراء الليبراليين والاشتراكيين والمفكرين المستقلين حيث تغيَّب أصواتهم عن الساحة الفكرية، إما عن مبررات ضيقه مما يعتقد أنه سيطرة الأصوليين على الرأي العام، وما إذا كان ذلك راجعا إلى أن الليبراليين واليساريين ليس لديهم مضمون قادر على إقناع الرأي العام، خصوصاً في ظل تهميشهم لدور الدين، وأنهم كذلك لا يملكون خطاباً سهلاً وميسراً وقادراً على أن تفهمه هذه الجماهير كما تفهم خطاب دعاة الإسلام السياسي، قال: إنني كثيراً ما دعوت هؤلاء الليبراليين واليساريين لتجديد خطابهم، وتحديث مضامين فكرهم التي هي في أغلبها قد توقَّفت عند أفكار القرن التاسع عشر. أما محمد أركون فلم يقدِّم شيئاِّ جديداً في هذه الندوة بقدر ما كان هناك ترديد وتكرار لآرائه المعروفة، لكنه أكّد على أن وجود خطاب أصولي وآخر عَلماني في المجتمع العربي يعد ظاهرة صحية؛ فلكل من الخطابين مساحته، غير أنهما متفاوتان فيما يتعلق بالاهتمام بالنقد العلمي، ونقد العلوم والخطابات، ويجب أن يخضعا معاً للنقد العلمي. ويرى نبيل علي أن أي مثقف يصطدم مع الدين صداماً مباشراً سواء لتعديل الأوضاع الخاصة بإساءة استخدام الدين أو أشياء أخرى، لا بد أن ينهج خطاباً أكثر هدوءا، وأكثر توازناً، لأنه لا بديل في حل مشكلة القيم وتهيئة المجتمعات العربية الإسلامية إلا بأن نفرِّق بين القيم التي تفد علينا أو نتوارثها من تراثنا وهي قيم لا بد أن نتمسك بها. ويعتقد علي أن جزءا كبيراً من القيم التي ترسَّخت في مجتمعاتنا لا بد وأن نعيد النظر في أسسها من منظور مجتمع المعرفة الذي أفرز الكثير من القيم الجديدة الخاصة بالتربية، وقيم الإعلام، وقيم الإنترنت، وأشياء أخرى.

في السياق نفسه، أكَّد عبد الحميد الأنصاري أن أي جدال أو أي نقاش يحرِّك الفكر بين ذوي المشارب أو ذوي الاتجاهات المختلفة، هو جدال صحي يثري الحياة الفكرية والثقافية، ويمكن أن يحدث حراكاً نظيفاً بشرط واحد وهو أن يحترم الجميع أفكار البعض، وأن لا نجرح أحداً أو نشكِّك في ثوابت معينة، دينية أو وطنية. ويشير الأنصاري إلى المقولة المشهورة ''اختلاف العلماء رحمة'' بيد أنه شدِّد على أن يكون الاختلاف رحمة إذا التزمنا بالضوابط التي وضعها سلفنا الصالح، أي الابتعاد عن التجريح، وتصيد الأخطاء والتفسيرات السيئة، بمعنى فلان قال هكذا فهو يريد أن يقول هكذا وكأنه اطلع على نيته. ويؤكِّد ضرورة أن نميز بين الدين كنصوص مقدَّسة؛ فنحن نطالب باحترامها وقدسيتها وبين التفسيرات والتأويلات.

ويخلص الطيب تيزيني إلى أن الحوار بين الإسلاميين والعَلمانيين يكون بناء ومفيداً إذا ما اكتسب أفقه المفتوح، أما إذا الحوار أفرز هذين الاتجاهين في المجتمع العربي دون أن تتم العملية في سياق حواري ديمقراطي، فإن هذا سيكون وبالاً يؤدي، حتماً، إلى تقاطع خطير، ويفضي إلى صراعات وصدامات كما يحدث في لبنان، فالصراعات السياسية هي التي تفتح وتنتج حالة مزرية. أما الحوارات المفتوحة بين مختلف المساحات فهي التي تحتاجها ساحتنا العربية. وتحدَّث عبد الملك التميمي عن النكوص الذي أصاب المجتمعات العربية من الهوية الوطنية والأمة إلى الهويات القبلية والطائفية، وأرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل التي تتعلَّق بفشل بناء النموذج الوطني، وفشل المشروع القومي، وتراجع حركة التنوير في العالم العربي، إضافة إلى التسلطية السياسية وضعف الفكر الليبرالي والعقلاني.

تحدَّثت كلثم الغانم عن الثقافة والتحوُّلات الاجتماعية في الوطن العربي، حيث قدمت بحثاً شاملاً يحمل رؤية عميقة ومتكاملة عن مجمل العوائق والمشكلات التي تواجه ضعف الحراك الاجتماعي العربي في مقارنات بين قيم الماضي وحاجات الحاضر وتطلعات المستقبل. وطرحت الغانم مجموعة من الأسئلة المفصلية والأساسية في تحديد منهج النظر في الإشكالية المطروحة على الأمة العربية من موقع كيفية المشاركة في الحضارة الإنسانية فيما يتعلَّق بالجوانب الفكرية والقيمية، وأن تراثنا خصب من هذه النواحي، ويمكن أن يمد البشرية، بوصف البشرية لا تعيش في بحر من السعادة، يقيم روحية محايدة ذات صلاحية كونية بوصفها تعبيرا عن قيم الإسلام الموجه لكل البشرية. وأخيراً ربطت الغانم بين الجانب النظري والأطر والمؤسسات الاجتماعية القائمة بالفعل بطريقة لافتة.

تحدثت بشرى موسى من العراق عن ''جدلية الوجود والمطابقة في الخطاب النسوي العربي''. بينما تحدثت جهينة العيسى عن ''التنمية الإنسانية وتمكين المراة: التحديات والرؤى المستقبلية''. وقدَّم عبد الجبار الرفاعي بحثاً ناقش فيه قيم التسامح والكراهية. أما عبد الله إبراهيم فعرض أطروحة قائمة على ''تحليل العلاقة المتبادلة بين التحوُّلات الاجتماعية والتحولات القيمية'' من خلال ورقته البحثية التي تناولت المجتمعات التقليدية وحوار الثقافة والقيم. ويمكن القول: إنه من البحوث القليلة إن لم يكن الوحيد التي التزمت بموضوع الندوة وركَّزت البحث والتحليل فيه. ما يمكن أن نخلص إليه هو أن عنوان الندوة غير مطابق للمرحلة التاريخية المشخصة للمجتمعات العربية، حيث لا يمكن الحديث عن ''تحوُّلات اجتماعية'' للمجتمعات العربية وهي التي تعاني من الأمية، والبنى الساكنة والقارة، وأن كل دعوات الدولة الحديثة التي تحدث مجتمعها لم تفلح في نقل المجتمع من بناة القبلية والطائفية. لذا، لم يكن الحديث عن التحوُّلات الاجتماعية إلا تعبير عن تطلُّعات وطموحات وفيها شيء من الخيال النخبوي الشغال تجاه ما هو مرغوب فيه. في حين يكون النظر بما يتنزل على ما هو قائم وراهن؛ أي تشخيص البنى والأطر والمكونات الاجتماعية، ومن ثم النظر لاحقاً في ما إذا كان هناك أي تحوُّل يصيبها أو أي حراك يجري لها واهٍ في أشكاله وتجلياته. أما الجدلية فمن الصعب الامساك بها في العلاقة بين الثقافة والقيم العربية الإسلامية، والقيم التي تناظرها أو تعبر عنها. في عصور التأخر التاريخي والانحطاط الحضاري تغيب الصيرورة، ويتعطل الحراك الاجتماعي؛ وبالتالي لا يكون القول في التحولات المجتمعية وعلاقته التي تأخذ شكلاً جدلياً بالثقافة والقيم إلا قولاً نخبوياً، وفي أحسن الأحوال أيديولوجياً.