• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

ليلة استثنائية (2 - 2)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 11 أكتوبر 2015

في العرض الاستثنائي، صاغ الشاعر المبدع بيرم التونسي مسرحيته مستلهماً أجواءها من القصص الخيالية الشهيرة لـ(ألف ليلة وليلة) التي نُسجَت في التُراث الشعبيّ وحكايات شهرزاد، حيث تتمحور الأحداث حول قدرية الصعود والهبوط الطبقي للبعض والانتقام التراجيدي من البعض الآخر، ولهذا وُلد العرض بجمالياته ليعيش محفوراً في ذاكرة التاريخ ورواد الفن الأصيل لأنه يعرض تجارب إنسانية متعاقبة عبر الأجيال، وفي رأيي، فإن أحد أهم أسباب نجاح المسرحية والمكانة المرموقة التي حققتها يعود إلى أن العرض يجسد جسرَ الحنين المفتقد إلى الزمن الجميل، زمن الهامات والقامات المسرحية، فتجد في مدخل المسرح لوحة تذكارية تضمُّ روادَ المسرح القوميِّ في فترات مختلفة ممن تركوا بصمتهم الفريدة أمثال خليل مطران ويوسف وهبي وكرم مطاوع وحمدي غيث وسعد أردش وسميحة أيوب وغيرهم، فلا تستغرب ذلك الازدحام عند شباك التذاكر وصعوبة الحجز لأيام قادمة.

يصحبك العرض في جولة فنية وفكرية عنوانها التراث المسرحي الأنيق بكل ما تحمله كلمة أناقة من معنى، فها هو بيرم التونسي ورغم مرور عقود على رحيله، إلا أن كلماته لا تزال حيّة نابضة وتجري على ألسنة الممثلين بسهولة دون تعديل أو تفسير لتصل إلى عقول وقلوب المشاهدين كماء عذب يروي الظمأ في أجواء قليلاً ما تلمسها على خشبة مسرح عربي، فهو عرض مسرحي غنائي بجدارة لا تملك وأنت تتنقل بين لوحاته الفنية ومَشاهدِه السبعة إلا أن تستشعر وكأنك أمام صورة متكاملة في إبداعاتها متنوعة في ألوانها خفيفة في ظلها بسيطة في حركاتها جميلة في روحها، إنها إطلالة رائعة على ماضٍ تحبّ أن تجعله حاضراً مستداماً بين يديك.

وكيف يكتمل ذلك النسيج الفني الرائع دون موسيقى غنائية تلعبُ دوراً درامياً أساسياً في المسرحية منذ المشهد الأول الذي يفتتحه العبقري الفخراني بطرق الدقات الثلاث بوساطة عصاه الخشبية على قرص مستدير كما نصت كتب الأولين، حيث يشارك البطل (شحاتة) ومساعده وابنته (نجف) في الغناء متوسلين إلى المارة بالقرب من مسجد بغداد التاريخي لكي يشفقوا على حالهم من خلال كلماتٍ مؤثرة وبسيطة تترجم شاعرية كاتب النص: «إلهي ما يغلبك حال، ولا تمدّ إيديك لسؤال، ولا يشمّت فيك أعداء، ولا يُيتّم لك أطفال». ويزداد انبهارك وأنت تغادر قاعة العرض ولسان الحال يقول إنك كنت بحق في حضرة صنّاع فن الزمن الجميل طرباً وشعراً وموسيقى، وعرضاً ومسرحاً وكلماتٍ وأداءً. كل الشكر والتقدير لإدارة المسرح القومي في ميلاده الجديد من خلال هذه التحفة الفنية الاستثنائية، ولكل من ساهم في إعادة أمجاد الماضي ورسم هذه المعمارية المسرحية في ذاكرة وطن يحتاج أن يسترجع ماضيه ليتعامل مع تحديات حاضره بالفن الراقي الأصيل والإبداع المسرحي الرصين.

الدكتور - عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا