• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

سيّدة المخيّلة المسرحية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

عبد الله صالح الرميثي

هناك العديد من المفردات البيئية التي ارتبط بها أبناء الإمارات، وأثرت في ثقافتهم وعاشت في ذاكراتهم، والنخلة من أهم هذه المفردات، إن لم تكن أهمها، كانت ولا تزال مصدر إلهام وعشق للحرفي والفنان والشاعر، حيث نلمس ذلك جلياً في النقوش الجصية في البيوت، وفي الزخارف النحاسية، كما في العديد من الأعمال المسرحية والشعرية. فالتراث الشعبي يُعتبر منهلاً من مناهل المسرح بشكل عام، وقد تأثر المسرح الإماراتي كثيراً بالتراث بكل جوانبه، وبات الملهم الأول لكتاب المنطقة الذين تأثروا بكل تفاصيله، وراحوا يحولونها إلى حكايات من نسج خيالهم، مسقطين رؤاهم على الواقع المعاش متخذين من الأمكنة والأزمنة محطات للإبداع.

لقد ارتبط الإماراتيون نفسياً بالنخلة بعرى وثيقة قديمة تعود بجذورها إلى الآباء والأجداد الذين حولوها إلى كنز لا ينضب، أما بالنسبة لي، فالنخلة تُشكل صوراً من طفولتي في منطقة النخيل في رأس الخيمة، وتلك المزارع المليئة بشتى المزروعات؛ فمسمى النخيل كان يطلق على كل المزارع وليس النخل فقط، ربما لكثرتها وتنوعها واهتمام الناس في الماضي بزراعتها بجانب أنواع من الخضراوات والفواكه. كانت النخلة هي حياة الماضي بأجمل تفاصيله وما قدمته من خير لا يحصى ولا يعد.

كذلك هو الحال في مسيرتنا المسرحية، فقد سكنت النخلة في كل نفوس كتاب المسرح سواء كانوا من جيل البدايات أمثال: سلطان الشاعر، وحمد سلطان، وسعيد بوميان، وضاعن جمعة، وعبيد بن صندل، أو من جيل الثمانينيات وما بعده أمثال: إسماعيل عبد الله، وناجي الحاي، ومرعي الحليان، وجمعة بن علي، وسعيد إسماعيل، وصالح كرامة، وعمر غباش، وحبيب غلوم، وعبدالله صالح، ومجموعة كبيرة سبقتنا في تأسيس المسرح الإماراتي.

ومنذ المحاولات المسرحية الأولى في فن كتابة المسرحيات بالدولة والنخلة تسكن مخيلة معظم هؤلاء الكتاب، فراحوا يجسدونها عبر وصفهم للمكان، فمنهم من ذهب إلى إحيائها بأغصانها الخضراء الممتدة، ومنهم من أمات سعفها وأظهرها كالميتة الواقفة دلالة على موت الحياة. وهناك من صورها في أعماله بأنها رمز لهذه الحياة، ولعل مسرحية بورويشد فوق النخلة، التي كتبها سلطان النيادي وقدمتها فرقة مسرح العين، واحدة من الأعمال القليلة التي حملت اسم النخلة. والمسرحية تصور بورويشد الذي ركب هذه النخلة العالية التي كشفت له أسرار الناس وفضائحهم، فكان أسلوباً في طرح ما طرأ على المجتمع من جهة، وما تجسده النخلة من علو وشموخ من جهة ثانية.

وقد تعارضت آراء الكثير من المخرجين ما بين إبقاء النخلة فوق خشبة المسرح أو الإشارة لها عبر وسائل متطورة أخرى، سواء عبر السلوت أو عبر التقنيات الحديثة في الداتا شو وغيرها من الأجهزة الأخرى، ولعلّ مسرحية الطين الأحمر لمرعي الحليان التي أخرجها حسن رجب وتناغم في أفكاره مع محمد الغص الذي أوجد تلك النخلة الميتة والمنحنية على الخشبة، حيث صارت كجزء من هذا العمل الفني الذي أبدع في أدائه كل من إبراهيم سالم وسميره الوهيبي، وقد لعبت النخلة دوراً كبيراً في نجاح هذا العمل.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف