• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

روبرت دي نيرو يقيم في شخصياته

عازف الجسد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

أمين صالح

روبرت دي نيرو ممثل خلّاق، متجدّد، متنوع، متعدّد الوجوه والأشكال. منذ أن انبثق في السبعينيات كممثل استثنائي، وهو يحفر في ذاكرة المشاهد سلسلة متوالية، بارزة ولافتة، من الشخصيات التي لا تتماثل إنما تختلف وتتعارض. مع كل فيلم جديد يبدو مختلفاً عن الذي سبقه على نحو أخاذ ومدهش. يبدو أشبه بالحرباء. شخصيات ثرية، متنوعة، مركّبة، متعددة الأبعاد، تتأرجح بين الرقة والعنف، الحساسية والفظاظة، الوداعة والقسوة، الهدوء والتوتر، الصفاء والغموض. شخصيات ذات أعماق مضطربة مبهمة، وشخصيات مباشرة أقل تعقيداً، تلك التي تجوب عالم التراجيديا تارةً وعالم الكوميديا الخفيفة تارةً. شخصيات مؤثرة ومحركة للمشاعر، وفي الوقت ذاته، موشومة بحس الدعابة والجاذبية.

في تجسيده للشخصية، نجد ذلك النسيج المتشابك من الحركات المتميزة الأسلوب، الإيماءات التي تبدو عفوية، لكنها مدروسة بعناية فائقة، الطبقات الصوتية المتناغمة والمتغيرة بدقة وبراعة، التكيّف البصري، المهارة التقنية العالية، الاتصال بالمواد والأشياء بحساسية بالغة، القدرة الفذّة على توصيل العواطف والمشاعر والانفعالات والنوبات، إضافة إلى الأمزجة المعقدة والمتطرفة، قابلية التحول بمرونة ورشاقة من حالة إلى أخرى مناقضة في المشهد الواحد.. كل هذه العناصر والمظاهر تجتمع معاً عن طريق بحوث شاقة وشاملة يقوم بها دي نيرو مستقصياً خلفية الشخصية، جذورها الاجتماعية والثقافية، بيئتها وتجاربها وسلوكها اليومي.. وهو يتحكم في هذه العناصر بوساطة حضور سينمائي خالص وقوي. كل هذا ساهم في تشكيله كواحد من أعظم ممثلي السينما الأميركية المعاصرة، وأكثرهم إثارة للاهتمام وتميّزاً في أداء الأدوار الصعبة، الأكثر تحدياً.

بحثاً عمّا يدوم

يقول دي نيرو: «بعض نجوم سينما الأمس كانوا رائعين حقاً، لكنهم كانوا يضفون خاصية رومانتيكية على شخصياتهم. ما أحاول أن أفعله هو جعل الأشياء تبدو واضحة، رائقة، حقيقية، وجديرة بالتصديق. أحب أن أنجز الأشياء التي سوف تدوم لأنها تمتلك جوهراً وخاصيةً وليس أسلوباً أو إثارة عاطفية. بمعنى آخر، يتعين عليك أن تؤمن بما تراه على الشاشة. ليس حسناً أو مجدياً النظر إلى ممثل في حلبة الملاكمة وأنت تعرف جيداً أنه يمثّل. يجب أن يغيب الممثل كي تصدّق بأنك ترى ملاكماً. الممثل يشبه الموسيقار.. بدلاً من العزف على الآلة، فإنه يعزف على الجسد. إذا كان العازف يستخرج أنغامه بوساطة الآلة، فعلى الممثّل أن يستخرج أنغامه بوساطة الجسد».

أن تشاهد أداء دي نيرو يعني أن ترى ممثلاً يفرض سلطته وسيطرته على مهنته (التمثيل) من أجل تخطي حدود المهنة في بحث دؤوب عن الكمال. إنه يطمس ذاته الحقيقية ليبعث ويكشف كائناً آخر. يتمدّد متجاوزاً معضلات المحاكاة أو القولبة. يحلّل الشخصية التي ينوي أن يمثّلها تمهيداً للغوص في داخلها، للإقامة فيها وامتلاكها، لانتحال صفاتها وخاصياتها وتصرفاتها، وهو لا يبحث إلا عن الشخصيات المعقّدة، المشوّشة، المضطربة بشكل أو بآخر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف