• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

التفكير فيه يشبه حرث سطح البحر

الزمان.. لغز الوجود

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 مارس 2016

الفاهم محمد

يبدو أن البحث في الزمان هو بحث في حقيقة الوجود وفي المعنى النهائي للحياة البشرية. لكن الزمان ظل دائماً سراً مبهماً وجوهراً مغلقاً أمام الذهن البشري. في هذا السياق، قال أغسطين كلمته الشهيرة: «حينما لا أسأل عنه أعرفه، وبمجرد ما يتعلق الأمر بتفسيره فإنني لا أعرفه أبداً». لقد ظل الإنسان يتساءل دوماً، هل الزمان حقيقة طبيعية حسية موجودة في عالم الأعيان أم أنه مجرد شعور ذهني نفسي، وليس كياناً موضوعياً موجوداً في الخارج؟ هل هو حقيقة أم مجرد وهم ذاتي؟ ما هي أهم الألغاز والمفارقات التي تعترضنا عندما نريد دراسته. وهل تحمل الفيزياء المعاصرة بعض الوضوح بصددها؟

يقول إتيان كلاين:«إن التفكير في الزمان يشبه حرث سطح البحر» (1)، وكان نيوتن يعتقد أن الزمان صيرورة متجانسة مطلقة تسري في الكون بنفس الوتيرة. إنه مقدار كمي قابل للقياس، بحيث يمكن ملاحظته بشكل واحد بالنسبة لجميع الملاحظين مهما تباعدت المسافة بينهم. لكن الفيزياء المعاصرة، خلافاً لهذا، قلبت تصورنا عن الزمان رأساً على عقب. فالنظرية النسبية عند أينشتاين تبين لنا أن الزمان ليس حقيقة مستقلة بذاته وقابل للقياس بشكل معزول. إنه لا وجود له إطلاقاً من دون المكان. فالزمان لا يمكن قياسه إلا في ارتباط بالمكان أي من وجهة نظر المراقب. أما الفيزياء الكوانطية فتذهب إلى أبعد من هذا الأمر بكثير، فهي تتحدث عن إمكانية تجاوز الزمان عبر التنقل الفوري في الفضاء.

بالنسبة لنيوتن كل الأحداث التي تدور في الكون مثل دوران الكواكب أو حركة المجرات، تجري في فضاء مكاني محايد ثابت ودائم. بمعنى أن هذا المكان هو شيء فارغ لا يؤثر تماماً على الأحداث التي تجري فيه. أما أينشتاين فقد اختلف مع هذه الفكرة. المكان بالنسبة له ليس شيئاً سلبياً محايداً، بل بالعكس كل ما يحدث فيه من مجريات تخضع لتأثيرات متبادلة. إن سرعة جسم ما تؤثر على المكان مما يجعل الزمان أيضاً يتقلص. باختصار نقول إن أحداث المكان تؤثر على الزمان والعكس صحيح. هذا هو مفهوم الزمكان، الاكتشاف الذي أدخل أينشتاين في عداد الخالدين.

لم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، بل إن ربط أينشت اين للزمان والمكان ضمن مركب واحد، أدى به إلى اكتشافات أخرى أهمها مفهوم الجاذبية الغامض الذي خلفه نيوتن. نحن نعلم أن هذا الأخير هو مكتشف الجاذبية، باعتبارها القوة الكونية التي تنظم حركة كل شيء في هذا الكون بدءاً من سقوط تفاحة من الشجرة إلى دوران الكواكب حول مداراتها. غير أن نيوتن لم يحدد طبيعتها الخاصة التي ظلت في فيزيائه سمة من سمات القوة الإلهية. أما أينشتاين فقد استطاع لأول مرة أن يكشف عن سر هذه القوة، هذا السر الذي لن يكون شيئاً آخر غير الزمكان نفسه. بطريقة أخرى هذا الفراغ الذي كان يعتقد نيوتن أنه مجال مكاني محايد ومطلق، هو في الحقيقة مركب معقد من الزمان والمكان، إنه نسيج يمكن أن ينثني كما ينثني سرير الترامبولين، وبالتالي فإن حركة الكواكب توجد عالقة داخل هذا الانثناء.

ليس الزمان شيئاً واحدا، وكمثال على ذلك نقول إن الزمان الذي نعرفه فوق كوكبنا ناتج عن دوران الكرة الأرضية حول نفسها وحول الشمس، ما يعني أن الزمان مرتبط بمدار الكوكب، وعليه، سيكون له مفهوم مغاير في كوكب آخر له مدار مغاير. ففي عطارد - مثلا- نجد أن هذا الكوكب عندما يتم الدورة حول نفسه يكون قد أتمها حول الشمس مما يجعل اليوم والسنة فيه يتساويان. هناك إذن أزمنة وليس زماناً واحداً كما هو الحال عند نيوتن. كما تطرح فكرة الزمان عند أينشتاين صعوبة التمييز بين الحاضر والماضي، فما ألاحظه هنا على أنه حاضر هو حاضر بالنسبة لي فقط، بينما هو قد أصبح ماضياً هناك. تضيف النظرية النسبية كذلك أنه كلما زادت سرعة جسم ما استطاع أن يبطئ الزمان. كان هذا هو معنى المثال الشهير بتوأم لا نجفان. لقد فتح أينشتاين بنظريته هذه شهية الإنسان وخياله من أجل تحقيق حلم طالما راوده وهو السفر عبر الزمان. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف