• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الشخصيات الرئيسة التي يتناولها المؤلف لا تنحصر في الساسة ورجال السلطة، بل تتركز أساساً في مَن تولوا مسؤولية أجهزة الإعلام الروسية واخترعوا السردية السائدة

الإنتلجنسيا الروسية: من الجلاسنوست إلى حروب بوتين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 أكتوبر 2015

خرج الاتحاد السوفييتي من الحرب العالمية الثانية منتصراً، وتحول إلى أحد أعظم قوتين في العالم، وحقق إنجازات مبهرة في مجالات عديدة. واستمرت قوة الزخم هذه لبعض الوقت، لكن في في النصف الأخير من السبعينيات بدأ يفقد قوة زخمه هذه، وبدأ اقتصاده يعاني من مشكلات كبرى أدت إلى تباطؤ النمو. وبحلول الثمانينيات، بدا واضحا أن الوهن الذي يدب في كافة مفاصل الدولة قد وصل مرحلة خطيرة. وعندما تولى جورباتشوف منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1985 ومنصب رئيس الدولة بعد ذلك، ولغاية سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، ارتأى أن إنقاذ البلاد من هذا المصير ممكن من خلال سياستين هما «البيروسترويكا»، وتعني إعادة البناء، و«الجلاسنوست» وتعني الشفافية، وفي إطارهما عمل على فتح روسيا على العالم، وأنهى الحرب الباردة، ومنح شعبه الحرية التي طالما تاق إليها. «أركادي أوستروفسكي» الكاتب الروسي المولد، البريطاني الجنسية، والذي عمل مراسلاً للفاينانشيال تايمز والإيكونوميست في موسكو، ومؤلف الكتاب الذي نعرضه هنا، «إعادة اختراع روسيا.. الرحلة الطويلة من حرية جورباتشوف إلى حرب بوتين»، يرى أن تلك السلسلة المتعاقبة من التغيرات الحاسمة، منحت الكثيرين أملا في تحول روسيا إلى دولة تعتنق قيم الديمقراطية والسوق الحر. لكن ما حدث جاء خلافاً لتلك التوقعات المتفائلة، فبعد مضي ثلاثين عاماً على إصلاحات جورباتشوف، نرى الآن في روسيا دولة تسيطر عليها مشاعر قومية ذات نوازع إمبريالية، يؤججها رئيس سلطوي عمل بدأب على تحطيم النظام الذي ساد عقب الحرب الباردة، وأشعل نار حرب على حدود أوروبا. ويتساءل المؤلف: كيف انتهى الحال بدولة تمكنت من تحرير نفسها من الحكم السوفييتي الذي استمر 70 عاماً لتصبح تهديداً للعالم الغربي ولمستقبلها في المقام الأول؟ وما السبب الذي دفع الشعب الروسي للقبول بدولة البروباجاندا القائمة حالياً؟

يصطحب المؤلف قراءه في رحلة مشوقة عبر الطريق الطويل من حرية جورباتشوف إلى حرب بوتين، مسلطاً الضوء على المنعطفات الحاسمة في تلك الرحلة. واللافت أن الشخصيات الرئيسة التي يتناولها المؤلف لا تنحصر في الساسة ورجال الدولة، بل تتركز أساساً في الأشخاص الذين تولوا مسؤولية أجهزة الإعلام آنذاك، وصاغوا خطاب روسيا واخترعوا السردية السائدة. معظم هؤلاء الرجال جاؤوا من المجهول، وأثروا فجأة ثراءً فاحشاً وسيطروا على موجات الأثير، وشملوا رؤساء تحرير صحف ومديري قنوات تلفزيون، وأعضاء في الإنتلجنسيا الروسية، وبعض عقائديي الكرملين ورجال دعايته.

ويرى المؤلف أن الانتلجنسيا الروسية كانت الأداة الرئيسة لثورة 1991، لكن تلك الطبقة لم تكن على استعداد لتحمل تبعات الثورة، ولم تكن تعرف ماذا تفعل بعد تحقق الهدف الذي حاربت من أجله، وبذلك غرست بذور الفشل الذي جاء فيما بعد. فبدلاً من تركز تلك الطبقة على قضايا الدمقرطة من أجل التحول السياسي، والخصخصة من أجل التحول الاقتصادي، فإنها تركز على «النهب».

ويشرح المؤلف كيف أن ظهور بوتين وتعاظم سلطته على النحو الذي رآه العالم فيما بعد، لم يكن مستغربا، كما لم يكن مستغرباً الدور الذي لعبه في تغيير روسيا، وتغيير العالم أيضاً.

ويرى المؤلف في نهاية كتابه أن التحول إلى القومية السلطوية في الداخل والمواجهة مع الغرب في الخارج، يمثل مصدراً لقلق شديد يكاد يصل تخوم اليأس على حول مستقبل الدولة الروسية التي ما كان لها أن تنتهي أبداً إلى هذا المصير.

سعيد كامل ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا