• الأحد 29 جمادى الأولى 1438هـ - 26 فبراير 2017م

شذريات

بابلو نيرودا.. حَيَوات الشاعر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 فبراير 2017

تقديم واختيار إيمان محمد

متجولا في محطات حياته، ومدن العالم التي عاش أو مر بها، وكاشفا أسراراً وتفاصيل شعره وذاتيته، كتب بابلو نيرودا مذكراته «المتقطعة» كما وصفها. نشرت المذكرات تحت عنوان «أعترف بأنني قد عشت» في برشلونة في مارس 1974 بعد ستة أشهر على وفاته، وكانت بمثابة احتفالية بالحياة العامرة التي عاشها الشاعر التشيلي المولود في 1904، والذي اتخذ اسما مستعارا طمس اسمه الحقيقي إلى الأبد، رغم عمله في السلك الدبلوماسي وتمثيله الرسمي لبلده في عدة دول، ومنذ شبابه اعتبر شاعر المستقبل وأفضل من يمثل الشعر الجديد في تشيلي، حتى حصل على جائزة نوبل للأدب عام 1971. لاحقه البوليس السياسي بعد عزله من مجلس النواب، وعاش تجربة تخفٍّ مثيرة، تنقل فيها من دار إلى دار في حماية الناس الذين تعاطفوا معه حتى تسلل هاربا عبر الجبال. عاد إلى تشيلي مرارا وشارك في الحياة السياسية والثقافية حتى توفي بالسرطان في بلاده عام 1973 بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح حكم الرئيس الليندي. حاول نيرودا في مذكراته أن يعود إلى طفولته وذكرياته البعيدة، وكشف عن عمق روابطه بالطبيعة وإن كانت قاسية، وفي تقديمه للكتاب يقول: «ربما لم أعش في ذاتي، ربما عشت حيوات الآخرين. بقدر ما استودعت هذه الصفحات من كتابة ستجود دائما- كما في غيل الخريف وكما في موسم الكرمة- الأوراق الصفراء التي تروح تموت والأعناب التي ستنبعث من النبيذ المقدس، حياتي هي حياة صيغت من كل الحيوات: حيوات الشاعر». المقاطع التالية هي جزء من مكنون هذه الحيوات.

في مقتبل طفولتي وفي بداية تعلمي الكتابة، شعرت ذات مرة بعالج عارم يغمرني فسطرت بضع كلمات شبه مسجوعة، عجبت لها ومنها، فقد كانت مختلفة متميزة عن الحديث اليومي والكلمات الأليفة، أعدت نسخها في خط أنيق بعد أن شذبتها، كنت حينذاك أسير جوىً عميق، سجين شعور ما كنت شعرت به من قبل البتة، شعور مستبطن غير مسبور، نوع من الكآبة والأسى.

***

عندما صعدت وبدأت بإنشاد أشعاري في صوت متأوه، لم يكن في العالم كله صوت أكثر منه تأوها، تبدل كل شيء، الجمهور يعطس، يُنكِّت، يتلهى بشعري الكئيب الحزين. حين رأيت هذه الاستجابة المخزية من قبل هؤلاء البرابرة الهمج أسرعت في القراءة وأوجزت فنزلت تاركا المنصة لزميلي (روميو مورغا) إن ما حدث عند ذلك لجدير بالتخليد والذكر. فما أن صعد (دون كيخوته) هذا الفارع الطول بثيابه الغامقة الرثة وأخذ ينشد بصوت أكثر من صوتي أنينا وتأوها، حتى بدا الجمهور وقد فقد قدرته على ضبط النفس وكظم الغيظ، بالصراخ والهتاف «يا شعراء الجوع، لا تفسدوا لنا الاحتفال».

*** ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف