• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

حاضرٌ في حياتنا الثقافية رغم سيادة الجهل والانغلاق

العَودةُ إلَى الأدَب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 أكتوبر 2015

1.

عبارة «العودة إلى الأدب» تأتي، هنا، في سياق التشبث بمشروع تحديث المجتمعات العربية. إنه مشروع المقاومين لزمن الجهل واستبداد الثقافة الدينية المغلقة. لكن يبدو من المُستغرب، عند الوهلة الأولى، استعمال هذه العبارة وتخصيصها بهذا السياق. مصدر الاستغراب هو أن الأدب حاضر في حياتنا الثقافية، رغم سيادة الجهل وازدياد درجة انغلاق الإسلاميين؛ أو ربما كان مصدرُ الاستغراب هو أن تضخم الديني لا يترك المكان للتشبث بأيِّ مشروع مجتمعي يقوم على الحرية والإبداع. فكيف يمكن الكلام، في الحالتيْن معاً، عن العودة إلى الأدب؟ عند هذه النقطة الإشكالية بالضبط، يصبح الكلام ممكناً، أجيب. إن الملاحظة المتعجّلة هي التي تتوهّم حضور الأدب، فيما هو مُبعَد في جهة لا نراها. والكلام هو إمكانية رفع الصوت من جديد، من أجل إعادة الاعتبار لمكانة الأدب العربي في معرفتنا بالذات وبالآخر، بالأشياء وبالكون، بالحياة وبالموت. وها هي كلماتي تصدر عن صوت مختـنق، صوت بدون صوت. ليكنْ!

عند التمعّن في الأوضاع التعليمية والاجتماعية، فضلاً عن الإعلامية، نتأكد من أن الأدب غائب، خارج أقبية معتمة يلتقي فيها الذين يمارسونه أو يختصّون في تعلمه ودراسته. لا أحد يلتفت إلى معنى غيابه. حتى النخبة تنفر منه وتحتقره. وفي حالات أخرى نرى كيف أن المسؤولين عن التعليم، أو عن الثقافة والإعلام، داخل العالم العربي، أو المتتبعين على المستوى الدولي، لا يبالون بالأمر. غياب الأدب عن حياة المؤسسة التعليمية أو الحياة الاجتماعية والإعلامية شأنٌ لا يوجب بحثاً ولا يفرض تساؤلاً. فالزمن الإسلاموي، الذي أصبحت تعيش فيه هذه الرقعة التي ما زلنا نسميها العالم العربي، يحتاج إلى إسلام وسطي، كما يقول المسؤولون السياسيون. إسلام معتدل، يمارس فيه المؤمنون شعائرهم من دون اللجوء، في التعبير عن عقيدتهم الدينية، إلى الحقد والكراهية تجاه الآخر، كيفما كان هذا الآخر. هؤلاء المسؤولون هم بالدرجة الأولى أجانب، أمريكيون وأروبيون.

2.

تضخمُ الديني في العالم العربي، وانتقالُه إلى الغرب عموماً، باسم الإسلام المتعصب والمتطرف والإرهابي، استدعى من جانب الأنظمة العربية والمؤسسات الدولية تأهباً لحماية الدولة والمواطنين. ليس الدين في حد ذاته هو مصدر القلق، بل هيمنة تزمّت القراءة الإسلاموية، الحرفية، للقرآن على جميع مظاهر الحياة الفردية والجماعية. يقف التزمّت على أبواب يقظة الناس ونومهم، ولا يفارقهم في أي مكان. وما وقع من خراب، في العديد من البلاد العربية، بعد الربيع العربي، نتيجةٌ لانفجار هذا التضخم الديني. وهو ما أدى إلى انتشار فتاوى التكفير ومشاهد العنف. وقد أصبحت «الدولة الإسلامية»، «داعش»، تمثل المَصْنع الأكبر للقلق، لأنها الأشد بطشاً بقيم الحياة الحديثة، في سلوك الأفراد كما في العلاقة مع الآخر.

مرَّ تضخم الديني بمرحلتين: مرحلة الطالبان في أفغانستان و11 سبتمبر، حيث تجلت الدعوة الوهابية بتفاصيلها؛ ثم مرحلة الدولة الإسلامية، التي أعلنت عن نزعة وهابية أبعد في القسوة والتعصب. ومنذ المرحلة الأولى استشعر الغربُ خطرَ الإسلام المتزمت على أمْنه ومصالحه. فإلى جانب إعلان الحرب على الطالبان في أفغانستان، وعلى القاعدة في مواقعها المنتشرة عبر العالم، صدرتْ عن مراكز البحث والقرار السياسي في الغرب توصياتٌ وأوامرُ للبلاد العربية والإسلامية. من بينها تلك التي تتناول التربية والتعليم، وتدعو بدون مواربة إلى تدخل الدولة في مراجعة تدريس مادة التربية الدينية. كان ذلك يعني، تحديداً، أن تحذف الأنظمة العربية من الكتاب المدرسي ومن التدريس الآيات المحرضة على الجهاد والآيات الدالة على التعصب وكره الآخر وتكفيره. وفي حال تعذّر ذلك، يحلّ التأويل محلّ الحذف. وكان الكونجرس أصدر، في الفترة ذاتها، توصية إلى العالم العربي يلح فيها على ضرورة إدراج العلوم الإنسانية في المقررات الدراسية، وهو ما أكدت عليه اليونسكو، لاحقاً، عندما أشارت إلى المكانة التي يجب أن تكون لتدريس الفلسفة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف