• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
  12:19    محكمة سعودية تقضي بإعدام 15 شخصا بتهمة التجسس لحساب إيران         12:36     تعيين كازنوف رئيسا للوزراء في فرنسا خلفا لفالس     

فالتر بنيامين في «شارع ذو اتجاه واحد» و«طفولة برلينية»

عذرية الأمكنة وحوافي الذات المُبدعة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 أكتوبر 2015

د. رسول محمد رسول

في هذا العام، ستحل الذكرى الخامسة والسبعون على وفاة الكاتب الألماني فالتر بنيامين (1892 - 1940) انتحاراً، الكاتب العصي على التصنيف فيما إذا كان ناقداً أم فيلسوفاً أم مجرد مبدع يكتب النصوص على حوافي الأجناس الإبداعية والفكرية والفلسفية رغم أن أشهر الموسوعات (ويكيبيديا) تعرِّفه بأنه فليسوف وناقد ثقافي وأدبي، بل تصنِّفه بعض التيارات الفلسفية بأنه أحد أقطاب مدرسة فرانكفورت الفلسفية الألمانية، في حين ترى غيرها بأنه الناقم على حضارة التقنية الحديثة سواء كان قطباً فيها أم لا.

في هذه الدراسة، سننحى بعيداً عن كل ذلك الجدل، حيث نتوافر على أهم نصين له، وهما «شارع ذو اتجاه واحد»، الذي صدر عام 1928، و«طفولة برلينية 1900» الذي صدر عام 2015 بعد موته بنحو عشر سنوات، ففيهما تنجلي جماليات تسريد المكان بين الواقعي والمتخيل، لا سيما أنهما معاً، وفي عنوانيهما، ينبري المكان واضح الحضور، بل إن حياة بنيامين نفسها دالة جمالية على جذوة المكان التي تحكمت به، فهو ابن التشرد والتسكع والضياع والترحُّل والملاحقة النازية حتى إن انتحاره جرى على تخوم الأمكنة وحوافي المدن، جرى في (بورت بو) على الحدود الإسبانية الفرنسية، وهي حواف عذراء كونها أقنعة للعبور..

المدينة ككتاب

في كتابه «شارع ذو اتجاه واحد» تبدو دلالة انهمام بنيامين بجذوة الأمكنة والاحتفاء بها بوصفها قدرة حسية ضاغطة على شعوره ووعيه وتفكيره، بل ونمط حياته، خصوصاً أن العناوين الفرعية لمحتويات الكتاب تدعم ذلك، ففيها نجد الملفوظات الآتية: شارع ذو اتجاه واحد، محطة بنزين، غرفة إفطار، قبو، ردهة، قاعة طعام، شقة مفروشة، السفارة المكسيكية، البنيات، موقع عمل، وزارة الداخلية، الدرج، معمار داخلي، شرفة زهور، عيادة شاملة، مساحات للإيجار، مطعم خدمة ذاتية، متجر طوابع، البار.

مع فالتر بنيامين تبدو قيمة المكان جمالية أدبية أكثر منها مجرد وصف لحالة حسية بصرية واقعية ولا حتى واقعية سحرية. ومن هنا نلاحظ ثمة توظيفات للمكان كوسيط للعبور إلى عوالم أخرى متخيَّلة، فما يهم بنيامين هو تحقيق علاقة متوترة بين الواقع والمتخيل الجمالي، ذلك أن «الفاعلية الأدبية، وكي تكون ملحوظة، لا يمكن أن تولد إلاّ من تبادل صارم بين الفعل والكتابة» (شارع..، ص 11). هذا ما قاله في شذرته الكتابية الأولى (محطة بنزين) التي تناول فيها طبيعة الأفكار مقارنة بطبيعة الحياة الواقعية، فالأفكار «بالنسبة لجهاز الحياة الاجتماعية العملاق بمثابة الزيت للماكينات» (ص 11). وفي شذرته (غرفة إفطار) يرى أن «منْ ينفر من الاتصال بالنهار، لا يرغب في الطعام ولا يزدري الإفطار» (ص 12). وفي الشذرة (قبو) يتساءل: «أية خزانة مرعبة من الغرائب تثوي في الأسفل، هناك حيث أعمق الحفر متخصصة لأشد الأشياء اعتيادية» (ص 13). بينما في شذرته (ردهة) نراه يزور منزل غوته على نحو حُلمي متخيَّل حتى يكتشف أن اسمه يظهر في سجل التشريفات الخاص بذلك المنزل الأيقونة، فاسمه يظهر «بخطٍّ طفولي ذي حروف كبيرة» (ص 14) وكأنه خطّه بنيامين الصغير بقلمه. في «شارع ذو اتجاه واحدة» نلاقي فلسفة بنيامين في الكتابة، في تسطير أفكاره على ورقة، في النسخ، في رؤيته الخاصَّة عن الكاتب والناقد، عن حيثيات الكتابة لدى المبدع، عن يوميات الكتابة العملية، عن طقوسها وشكلها وطرقها، ومن ذلك ما كتبه في شذرته (عيادة شاملة) حيث العنوان المنزاح عن دلالته المعتادة عن (العيادة) إلى دلالة الكتابة في (مقهى) كان قد وطأه الكاتب المتخيل في هذا النَّص بكل أدوات الكتابة، القلم، القرطاس، المخطوط، التأمُّل، التفكير، المفردات، الألفاظ، علامات الترقيم والتقطيع، إلى غير ذلك من متطلّبات طقوس الكتابة ما يوحي بأن المقهى في تلك اللحظة لا تعدو أن تكون مقهى الكتابة والكاتب. وفي شذرته (إرسال وتغليف الطرود) بنظر إلى المدينة بوصفها كتاباً «عبرت مارسيليا باكراً في الصباح للذهاب إلى المحطة، أصبحت المدينة كتاباً بين يدي ألقي عليه بضع نظرات قبل أن يختفي عن بصري في حقيبة» (ص 76).

تبدو المدينة إذن كتاباً لدى بنيامين، يبدو المكان كتاباً، بل كتابٌ ظل فالتر طوال حياته حتى موته انتحاراً يسطِّر خوفه وسطوره وفصوله في كتاب «طفولة برلينية» حيث الحنين إلى الأمكنة الأولى التي عاش فيها، وهو الكتاب الذي ضم أكثر من أربعين شذرة كتابية بعضها كان قد نشره في كتابه «شارع ذو اتجاه واحد»، إلاّ أن تجربة المكان في الكتاب الثاني ذات منحى منهجي أكثر، فهو يتقصَّد العودة إلى ماضيه، لكنها العودة المميزة، ففي عام 1932، يقول فالتر: «عندما كنتُ في الخارج، بدأ يتضح لي أنني سيتحتم عليَّ في القريب العاجل أن أودع المدينة التي ولدت فيها لفترة طويلة أو ربما على الدوام» (ص 13). ولذلك يؤكِّد أنه بذل «قصارى جهده لجعل الصور التي تعكس خبرة المدينة الكبيرة برلين في نفس طفل من الطبقة البرجوازية في متناول اليد» (ص 13). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف