• الخميس 08 رمضان 1439هـ - 24 مايو 2018م

هلاوس

غزو خاطفي الأجساد

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 26 يناير 2013

أقود سيارتي في ذلك الشارع الهادئ الخالي نسبياً، وهذا شيء نادر في مصر. هنا أفاجأ بتلك السيارة المجنونة المندفعة من خلفي تتجه يميناً ثم يساراً ثم يميناً ثم يساراً.. أنت تعرف أن السيارات تكتسب طباع سائقيها، وهكذا قد تشعر أن سيارة بعينها نافدة الصبر، أو لحوح أو مستهترة أو سمجة.. هذا موضوع يطول عن كيف كنت أرى السيارات في طفولتي، وكيف كانت هناك سيارات فظة، وسيارات أنثوية رقيقة وسيارات مثقفة. ليس هذا موضوعنا اليوم على كل حال.. أقول إن السيارة تطاردني بإلحاح وتربك قيادتي.. في النهاية أنجو من سائقها بمعجزة وألتفت لأرى من هو هذا الشاب المستهتر. أفاجأ بأنه رجل أشيب وقور يضع الهاتف المحمول على أذنه ويتكلم، وبالطبع لا يبالي بي بتاتاً، ولا يلاحظ نظراتي التي يمكن أن تحرق صخرة.

لم أر في حياتي عادة أسوأ، ولم أر شيئاً يبدد انتباه السائق، ويجعله يرتكب كل الأخطاء الممكنة، ولم أر شيئاً يهبط بمستوى القيادة إلى الربع، مثل ذلك الاختراع المشؤوم. والمشكلة أنني لا أعتقد أن هناك مكالمة بهذه الأهمية، أو لا تستطيع الانتظار خمس دقائق.. لو كان السائق هو رئيس الولايات المتحدة، وعليه اتخاذ قرار قصف روسيا بالقنابل الهيدروجينية أم لا، فبوسعه دائماً أن يتوقف إلى يمين الطريق ليجري مكالمته. أما أن يتواصل على الهاتف أثناء القيادة مهدداً حياته وحياتي، وحياتك فهذا شيء لا أبتلعه بتاتاً.

لاحظت أيضاً أن الناس عندما يجرون مكالمة على الهاتف المحمول لا يسمعون آلات التنبيه أبداً. هناك بالطبع قانون يمنع استعمال الهاتف أثناء القيادة، لكنه كالسيف في غمده، يستعمل فقط عندما يروق ذلك لرجال المرور.

انطلقت بالسيارة من جديد، فكاد يصطدم بي سائق آخر.. نظرت له فوجدت أنه يتكلم في المحمول، ولا ينوي أن ينظر لي.. لقد انطلق في رحلة الحياة القدرية لا ينظر ذات اليمين، ولا ذات اليسار. أطلقت نفيراً محتجاً.. هنا كدت أصطدم بسيدة.

سيدة تعبر الطريق في تؤدة دون أن تنظر إلى أي سيارات قادمة. تضع على أذنها الهاتف الجوال، وتضحك من دعابة قالها الطرف الآخر. كنت مندفعاً بقوة وبدا لي أنه من الصعب أن أنقذ الموقف بفرملة، لذا أطلقت نفيراً عالياً، لكنها كانت في عالم آخر.. وبصعوبة توقفت على بعد 15 سنتيمتراً منها. لن تعرف أبداً أن حياة جديدة كتبت لها.

هنا سمعت فرملة من خلفي، كاد أحدهم يصطدم بي وهو مندفع. لقد توقفت فجأة طبعاً وبلا إنذار، لهذا استدرت كي أعتذر له.. كي أخبره أنني أحمق تعس الحظ، هنا وجدته يتكلم في الهاتف الجوال. لم يلحظ أصلاً أنه توقف، وإنما قامت قدماه باللازم.. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا