• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

«الغالبون» رواية عن أوروبا والمغرب في عشرينيات القرن الماضي

هيدي قدور يرى الفوضى في المستقبل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 سبتمبر 2015

إعداد: أحمد عثمان

في مدينة من مدن شمال أفريقيا، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، قامت مجموعة هوليوودية بقلب القواعد الكولونيالية رأساً على عقب. «الغالبون»، رواية هيدي قدور، صدرت قبل أيام عن دار غاليمار، وهي رواية تاريخية كبيرة، تتأثر بالمصائر الفردية، من خلال كتابة لا تشوبها شائبة تجعل الحوارات والمونولوجات تنساب بسيولة.

ولد هيدي قدور في تونس لأب عربي وأم أوروبية. ولكن في المغرب، التي عمل فيها اثني عشر عاماً، تعلم العربية، ولذا يذكر كثيراً الشعر والشعراء في روايته. «ناحبس» مدينة إقليمية، في إحدى محميات المغرب غير المسماة. مدينة ساحلية، يشطرها مجرى مائي. على الضفة اليمنى، منذ قرون، الأسوار، المسجد، الأسواق. على اليسار، منذ العصر الكولونيالي، مكتب البريد، المحطة، شارع جول ـ فيري، أبناء البلد والأجانب يعيشون جنباً إلى جنب، يتاجرون. تنظيم من الوجهاء، وهم تحديداً «الغالبون»، يسهر على عدم تطور أي شيء: «لكل فرد دمه، لكل فرد نطاقه». مفاجأة تقلب هذا النظام رأساً على عقب، تخلط الحدود: مجموعة سينمائية هوليوودية قدمت لتصوير فيلم في «ناحبس». حظيت بحماية الحاكم الفرنسي. غير أن الأميركيين راحوا يتقابلون بصورة طيبة مع العرب (النخبة المثقفة، الفرنكفونية)، اليهود، الإيطاليين، ووجدوا أن «أكثر الناس رجعية في البلاد، أنصار تجارة الرقيق، عقلهم متفتح عن بعض من هؤلاء الفرنسيين».

الشخصية الرئيسة، رؤوف، ابن الشيخ، ابن عم رانيا (الأرمل، التي فقدت زوجها في الحرب دفاعاً عن فرنسا). حاز شهادة البكالوريا، أفضل تلميذ في شمال أفريقيا. هذا الشاب اللامع يستعد للدخول إلى الجامعة، ولكنه يتردد على الأوساط «الموسكوفية»، العالم الوحيد الذي يضم خليطاً من «البولشفيين، النقابيين، الاشتراكيين، المناضلين من كل الأعراق الذين يتلاقون للتحضير لحياة لم يعشها أحد بعد». كلفه والده بمرافقة المخرج وامرأته، النجمة المشهورة، الجميلة كاترين. حول هذين الأميركيين المثقفين، تتكون جماعة من الأصدقاء، تضم غانتيه ـ خريج المدرسة الاكليريكية، ضابط احتياط، مالك كبير ـ غابرييل، صحافية فرنسية، كاترين ورؤوف. غانتييه ـ «الفرنسي الوحيد التي لم تجعله السيطرة أحمق»، حسبما أب رؤوف ـ الناصح الأمين للصبي، وعلاقتهما تهكمية، عدوانية، عاطفية. وبين هؤلاء الأربعة، تنسج روابط خطرة.

غابرييل تشرح لرانيا بعض الأحداث التي تعتري المدينة، بصورة واضحة. لا تستطيع الأرملة الشابة الخروج من بيتها إلا محجبة، لضرورات جد ملحة ولتقضية شؤونها. تحيا على الذكريات، تنهشها الرغبات. قرر الأب، وعلى وجه الخصوص أخوها على تزويجها ثانية. تعرف كيف ترفض هذه المطالبات بالزواج، استراتيجياتها رائعة وذكية، وتمثل أجمل صفحات الرواية. الفرنسيون، في الرواية، أقل فطنة، والقمع كبير وعنيف. هي ذا اللحظة أزفت، ونفهم منها أن حركة الاستقلال أصبحت حتمية ومسألة وقت. من ناحيتهم، الأميركيون قلقون. هناك كارثة تهز هوليوود، روابط الفضيلة تنتقد النجمة الشهيرة، فاتي آربوكل. تنتصر البيوريتانية والنفاق. في الأوساط السينمائية، أنشأ الجميع يحتاط ويتخذ حذره.

رؤوف قلق من المواجهات السياسية. من الأفضل الابتعاد، عهد والده به إلى غانتييه لكي يرافقه في رحلة تكوين بفرنسا وألمانيا. غابرييل وكاترين يرافقانهما. في باريس، غادر رؤوف نزله الراقي لملاقاة الثوريين وسطهم، كان هناك من سوف يصبحون: هوشي مينه، دنغ سياوبنغ، شو ان لاي. ثم ومع تطور الأحداث، اجتاز المسافرون الأربعة الألزاس الخربة، الروهر، وتوقفوا في برلين، خلال شتاء 1922 ـ 1923. في ألمانيا، يقرأ رؤوف: «الشعب الألماني ليس شعباً كولونيالياً للمغرب». وهكذا عقد المقارنة بين البلدين. ولذلك نستطيع تصوير مقارنات أخرى على هذا الغرار اليوم في أوروبا.

العودة الى ناحبس في عام 1924 توسم نهاية الأوهام ومحوها تماماً، بما أنها كانت انعكاساً لوضعية الكون بأسره. الخاتمة تراجيدية. ولكن قبل الوصول إليها، تفتننا كثرة المصائر الشخصية، المشاهد الكبيرة التي تعلن بدقة عن الفوضى التي تأتي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا