• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

كان لدى سكان كوسوفو ميزة افتقر إليها السوريون. فقد رحبت بنا ألبانيا، وقدمت آلاف الأسر المأوى للاجئين في منازلهم، لأننا نشاركهم اللغة والثقافة

كنت لاجئاً ذات يوم!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 23 سبتمبر 2015

ينظر كثيرون في الولايات المتحدة إلى اللاجئين السوريين، باعتبارهم تهديداً وليس ضحايا، وفي فبراير الماضي، أعلن «مايكل مكاول» رئيس لجنة الأمن الوطني في مجلس النواب الأميركي أن السماح بدخول السوريين للبلاد سيصنع «أنبوباً جهادياً ممولاً اتحادياً»، يصل إلى الولايات المتحدة. وفي يونيو، طالب النائب «الجمهوري» بيتر كينج بعقد جلسة استماع بشأن القضية مجادلًا بأن الجماعات الإرهابية قد تستخدم برامج اللاجئين«لتنفيذ هجمات في أوروبا وأميركا»، وتوافقهم على ذلك «كارلي فيورينا» المتسابقة على ترشيح الحزب «الجمهوري» لخوض الانتخابات الرئاسية التي حذرت من أنه يتعين «توخي الحذر الشديد بشأن من نسمح لهم بدخول البلاد»، وهذه الحجج لا تفهم في الأساس ما يعنيه أن يكون المرء لاجئاً، فترك وطنك في زمن الحرب ليس خياراً أو فرصة سياسية، إنها غريزة البقاء ومحاولة محمومة لحماية نفسك وأطفالك من العنف والجوع أو الموت، وهذا أعلمه جيداً.

فقبل 16 عاماً اضطررت للفرار من كوسوفو، بعد أن أحرق الجيش الصربي منزلي تماماً، وعلمتني هذه التجربة مدى اليأس الذي يمكن أن تصل إليه حياة اللاجئ، ومدى أهمية معاملة طالبي اللجوء بالعطف والكياسة. كانت الحرب قد بدأت في كوسوفو عام 1998، وفي ذاك الوقت، كنت في الثانية والعشرين من العمر وأعيش في بلدة ألبانية صغيرة جنوبي غربي العاصمة كوسوفو، ورغم أنني وأسرتي خفنا أن يستهدفنا الصرب، لكننا بقينا، وكنا نأمل أن تنتهي الحرب قبل أن تصل إلينا كما لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه.

فقد جاء مئات الجنود الصرب إلى بلدتنا، وأضرموا النيران في المنازل وأرغموا الناس على ركوب شاحنات تحت تهديد السلاح، وعلى مدار عشر ساعات مرت قافلتنا بسلسلة من البلدات والقرى المحترقة، وعندما وصلنا إلى نقطة تفتيش قبل الحدود الألبانية كانت مجموعة من الجماعات الصربية شبه العسكرية في انتظارنا، وطلبوا مني تسليم بطاقات هوياتنا وجوازات سفرنا وشهادات الميلاد، وكل شيء يثبت وضعنا القانوني في كوسوفو. وفي ألبانيا، جرى استقبالنا في مخيم مكتظ بنحو 1400 لاجئ، وعلى مدار عشرة أسابيع نمنا في خيام مزدحمة، وأكلنا الطعام المعلب، وتصببنا عرقاً في حر لافح، وأصبت بالأرق، وسمعت الناس وهم يبكون بكاء مراً في ظلام الليل.

ورغم أننا نجونا في نهاية المطاف من الخطر، شعرت بالاكتئاب وانكسار القلب وضياع الأمل، وظل وسواس العنف والصدمات التي تعرضت لها يطاردني، وتملكني خوف من المستقبل. وكلاجئ ليس لدي شيء، فأين استقر؟ وماذا سأفعل؟ كيف أكسب رزقي؟ كأن مستقبلي ليس في يدي. وعدم اليقين يغذي يأسي، في ذاك الوقت، أدركت أن اللاجئين يحتاجون إلى ما هو أكثر من الطعام والأمن والسكن، إنهم يحتاجون إلى أشخاص يستمعون إلى قصص ضياعهم ويحبونهم ويتفهمونهم. الصراع السوري أكبر بكثير وأكثر تعقيداً من أزمة كوسوفو، فقد فر ما يقدر بتسعة ملايين سوري من منازلهم منذ عام 2011 منذ بداية الحرب، وكان لدى سكان كوسوفو ميزة افتقر إليها السوريون. فقد رحبت بنا ألبانيا، وقدمت آلاف الأسر المأوى للاجئين في منازلهم، لأننا نشاركهم اللغة والثقافة،لكن السوريين يواجهون مسؤولين متجهمين وخطر الاعتقال والعداء في الدول المجاورة. وحين أشاهد التقارير الإخبارية عن رحلات طالبي اللجوء اليائسين بالقوارب عبر البحر، أملاً في الوصول إلى أوروبا لا تثيرني الاختلافات، بل التشابهات، وسمعت رجالاً ونساء يتحدثون عن صدمة لا يعرفون كنهها، ورأيت أطفال يبتسمون ويلعبون رغم فوضى الحرب، وشاهدت بصيص الأمل في قلب اليأس، فقدان الوطن عبء يكاد يكون تحمله مستحيلاً. ويتعين على الأوروبيين والأميركيين أن يبذلوا كل ما في وسعهم حتى يشعر اللاجئون السوريون بالأمن والترحيب.

ميكرا كراسنيكي*

*كاتب من ألبان كوسوفو مقيم في الولايات المتحدة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا