• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الرّسامون يتصدرون المشهد التشكيلي في معرض الصيد والفروسية بأبوظبي

احتشاد ملحمي للأفكار والمشاعر

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 19 سبتمبر 2015

محمود عبد الله (أبوظبي)

 

تجاوزت أجنحة الفن التشكيلي في معرض الصيد والفروسية في نسخته الثالثة عشرة 2015 التي اختتمت مؤخرا كل التوقعات، على مستوى نوعية اللوحات ذات الصلة برسالة وأهداف الحدث أو مستوى الإقبال الجماهيري غير المسبوق. وثمة ظاهرة تعمّق الرؤية نحو هذه الأجنحة، هي أن اللوحات التي زادت عن 890 عملًا تشكيليا تنحو باتجاه تكريس قيمة «تراث الامارات» في مختلف فروعه. كان لافتاً ذلك الإهداء الرائع الذي قدمه التشكيلي والخطاط محمد الأستاد وابنه خالد في معرضهما المشترك الذي ضم 30 لوحة وصورة لروح فقيد الثقافة والوطن محمد خلف المزروعي حيث جاء فيه: «رحلت عنّا جسدا، بقيت معنا روحا وعطاء ورمزا، رمزا لمحبة الوطن، لترابه وثقافته وفنونه». لوحات محمد الأستاد جمعت في مضامينها اشتغالات بديعة على ثيمات متجذرة في الموروث الشعبي المحلي عن البحر والصقور والخيول والصناعات القديمة، ضمن رؤية جمالية للتراث وألوانه وفهمه الرصين للعناصر في العمل التشكيلي، على الرغم من ثبات الأشكال في أمكنتها على السطوح، إلا أنها بالتوازي تتمتع بحركة داخلية متدفقة. وينسحب ذلك على صور خالد الأستاد، حول الصقور والخيول في حركات متنوعة، تتبدى فيها روعة عيون هذه الخيول، فهي كاملة التفاصيل، أما عناصر الصورة فتتجه في بعض المشهديات إلى لمسات ملحمية، من احتشاد العناصر في الكادر، بدءاً من العنصر الرئيس (الخيل)، مروراً بالخلفية، ثم الأرضية، وأيضاً الإضاءة الداخلية، والمؤثرات المكملة للشكل الرئيس، ما يشي في النهاية أننا أمام صورة محترفة بامتياز وأمام مصور يخترق عين الكاميرا.

وفي مكان ليس ببعيد، تقف التشكيلية الإماراتية هدى الريامي في معرضها الذي يحمل عنوان «البيت متوحد»، وهي تنتسب إلى جيل الشباب، وقد بدأ حضورها الفني في المشهد الابداعي المحلّي مطلع عام 1990، ونجحت من خلال جملة من المعارض الجماعية والخاصة على مستوى الدّولة، أن تحقق لتجربتها موقعاً خاصاً، وإضافة لافتة إلى الرسم المحلي المعاصر. وكان لافتاً أن مشاركتها بهذا الجناح هي الثانية عشرة مع معرض الصيد والفروسية، مما يشي بارتباطها بروح المكان. عرضت الريامي في جناحها عشرين لوحة، تنوعت فيها تشكيلاتها الجمالية، ما بين الخيول والصقور والقلاع، إلى صور للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه». ويبرز أسلوب الريامي في عملها (القلعة البيضاء، أو قصر الحصن)، الذي خصصت له لوحتين تكامليتين في الشكل والمضمون، حيث نرى جمال القلعة في اللوحة الأولى من الزاوية الخارجية، فيما نرى الثانية من الزاوية الخارجية، وكلتيهما تبرزان جمال هذا المعلم التراثي، في قراءة بصرية أكثر صقلا، وإبهارا، لما تآلف فيهما من عناصر التشكيل والتلوين والانسجام بين الكتل، والمنظور العام.

 في معرض التشكيلية المغربية ابتسام أبو عنان، ثمة احترافية من نوع خاص في رسم الخيول، فهي تجيد بريشتها المرنة طريقة التجسيد في اللوحة، وبلا ريب أنك لو زرت هذا الجناح ستقف مشدوها، وأنت تراقب حركات الخيول العربية الأصيلة مندفعة في فضاءات الصحراء، في مشهد ملحمي أقرب إلى المشاهد الدرامية، كل هذه العناصر والرؤية الفلسفية شكلت في النهاية (لوحة خشنة)، بالتوازي مع خشونة الحالة الصحراوية التي شكلتها ألوان خاصة تم تصنيعها بطريقة تتناسب وقيمة وأسلوبية مثل هذا النوع من اللوحات متعددة العناصر والتفاصيل.

نختتم مع أعمال التشكيلي السوري هشام وديع عدوان، الذي قدم  32 لوحة عن الخيول ودلال القهوة، وجلسات  صحراوية ساحرة، بالزيت الموشى بألوان مصقولة لكن جميع لوحاته في الواقع تفيض جمالا وإحساسا، وهي أيضا شديدة الخصوصية، وتحمل من عناصر الدهشة والإبهار الكثير، ونعتقد أن مشاهدة واحدة لفهم أعماله لا تكفي، فهي مغرقة في التفاصيل الملحمية التي تحتشد في اللوحة الواحدة، كما أنّك يمكن أن تقرأ كل لوحة من زاوية مختلفة وتفسير مختلف ولعل ذلك هو سر عبقرية وموهبة هشام وديع، المتيم إلى حد العشق بالألوان الساخنة، وتجزئتها في اللوحة إلى أكثر من لون على طريقة المونتاج السينمائي.

لقد كنا في الواقع في رحلة تشكيلية لها لونها ومذاقها الخاص، بسبب هذا التجمع النخبوي من الفنانين، الذين أضافوا برؤاهم الفنية، مفردة جديدة تنضم إلى بقية مفردات نجاح هذا الحدث الثقافي التراثي (معرض الصيد والفروسية)، الذي نجح في جذب عدد كبير من الرسامين ولوحاتهم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا