• الاثنين 30 صفر 1436هـ - 22 ديسمبر 2014م

لوسي إيريغاري تستعيد صورة المرأة من مرايا الآخرين

نقد النسق الفرويدي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يناير 2014

مفيد نجم

من غير الممكن الحديث عن النسوية والفكر النسوي أو الحركات النسوية في الغرب من دون الحديث عن لوسي إيريغاري التي تعد واحدة من أهم أعلام هذه الحركة ومن أوائل المنظرين لها والمدافعين عنها. تميزت كتاباتها بتركيزها على علاقة اللغة بالمرأة، وعلى أطروحات التحليل النفسي عند فرويد الذي جعل من الرجل مقياسا لجميع الأشياء.

في هذا الكتاب «سيكولوجية الأنوثة: مرآة المرأة الأخرى» وهو الجزء الأول من كتاب ايريغاري يقدم لنا المترجم الدكتور علي أسعد جانبا من أطروحاتها حول مفهوم الأنوثة والرغبة الأنثوية وفق تصور فرويد بما فيه مفهوم الخصاء عند الأنثى وعلاقة البنت الصغيرة بأمها وكيفية حصول التطور المؤلم نحو الأنوثة. تتناول المؤلفة في بداية الفصل موضوع الاختلاف الجنسي بين المرأة والرجل الذي تستنتج فيه أن الشيء الخاص بكل جنس والاقتصاد المشترك بين الجنسين لا يستخدمان سوى عملية إنتاج وإعادة إنتاج، في حين أن أسلوب الاشتراك بهذا الاقتصاد هو الذي يحدد تمييز المرأة عن الرجل. وترى أيريغاري أن أعضاء الجسم وهيئة الجسم والأنسجة الأخرى تتأثر بالجنس إلا أن هذه الخصائص الجنسية الثانوية تبقى متحولة وغير ثابتة.

وفي ردها على أطروحات التحليل النفسي التي يحاول في ضوئها تحديد العامل المسؤول عن الاختلاف الجنسي بين المرأة والرجل تبيّن أن هذا العامل في ضوء المعطيات التشريحية لم يستطع العلم حتى الآن أن يتوصل إليه، ولذلك تسأل: هل التحليل النفسي قادر على حل هذه المشكلة، أم أن المحللين اعتادوا أن يُدخِلوا إلى هذا الحقل «الازدواجية الجنسية» معهم؟ وتواصل الرد على أطروحات نظرية التحليل النفسي عند فرويد وتفنيدها حول حقيقة الاختلاف الجنسي، مؤكدة في هذا السياق أن علم النفس لا يقدم مفتاح سر الأنوثة لأننا لن ندرك ذلك طالما أن العلم لم يتوصل إلى الكيفية التي تحدث فيها سيرورة تمايز الكائنات.

وتحت عنوان البنت الصغيرة ليست سوى صبي صغير تتحدث عن التماثل في أطوار النمو النفسي التي يمر بها كل من الولد والبنت، بينما التميز الوحيد الذي تجده البنت بينها وبين الولد هو الحرمان من الحقوق مما يعرض الليبيدو عندها إلى كبح أكبر، إضافة إلى أن قدرتها على تصعيد غرائزها أضعف من قدرة الرجل بينما شعورها بالدونية أمام الرجل يشعرها بأنها أقل قيمة منه.

لكنها تعود لطرح السؤال الأهم وهو: كيف يتم تحول البنت من الطور الذكري إلى الطور الأنثوي ولماذا ينتقل تعلقها في هذه المرحلة من الأم إلى الأب؟.

لا تجيب ايريغاري على هذا السؤال، بل تواصل طرح أسئلتها التي تشكك بأطروحات فرويد في هذا الصدد.

تبدو العلاقة بالأم بين الولد والبنت لها اختلافاتها التي تحاول الباحثة النسوية تقصيها؛ إذ ترى أن الطبيعة الخاصة لهذه العلاقة بين الأم والطفل ــ مهما كانت التربية سمحة ــ لا يمكن أن تتفادى عمليات القسر والإكراه وفرض بعض التقييدات، ما يستثير عنده رد فعل يفصح عن نفسه بالنزوع إلى العدوان والتمرد لكنه عند الصبي لا يدفع باتجاه العزوف عن الموضوع الأمي، الأمر الذي يستدعي القول بأن لدى البنت الصغيرة عاملا نوعيا خاصا في صيرورة هذه العلاقة هو عقدة الخصاء بسبب الانعكاسات التشريحية للفارق التشريحي بين الصبي والبنت. أما ما يتعلق بنقدها لنظرية فرويد في هذا الشأن؛ الذي اعترف فيه بأن ما يخص جنسية المرأة لا يزال غامضا، فهي تجد أن فرويد قد استخدم المعايير الجنسية الذكرية للاستدلال على المعايرة الجنسية للمرأة، كما تجلى في اعتباره أن البنت الصغيرة هي صبي صغير.

من جهة أخرى تؤكد أن اكتشاف الخصاء عند البنت الصغيرة يمثل نقطة انعطاف حاسمة مما يؤدي إما إلى الكف الجنسي أو إلى العصاب، أو إلى أن تكون عقدة الرجولة أو إلى الأنوثة السوية. وفي تعليقها على أطروحات فرويد في هذا الصدد ترى أن فرويد يستمر بتفسير صيرورات المرأة وتحديدها مستخدما مفردات هذا التاريخ واقتصاده الفكري على وجه الخصوص، وكأن المرأة كبتت جزءا من ميولها الجنسية في ذلك التاريخ وتعرضت فيما يخص علاقتها بالأصل إلى كبت محتوم بصورة خاصة بالكاد يمكن ابتعاثه، الأمر الذي يجعل الرابط الأول للبنت مع الأم والذي محت السنون آثاره من العسير فهمه تحليليا.

في ضوء هذه العلاقة تحاول مساءلة نشوء النوع من أجل تفسير المفارقة الناجمة عن مشاركة النساء بالقيم الإنسانية العليا، مطالبة في الآن ذاته من علم الوراثة أن يوضح سر علاقة النساء بالثقافة وتبرير مشاركة النساء بها طالما أن الأنا الأعلى الذي يحقق مجمل الشروط التي يجب أن يفي بها الجوهر الأعلى للرجل هي إرث للرجال. وتستدرك إيريغاري أن هذا لا يعني أن النساء يفتقرن للأنا الأعلى لكنه يجب البحث عنه في طاعتهن الطفلية للأب أو لبديل عنه أو في تمردهن الطفولي عليه بحيث يضمن لهن ذلك وظيفة الأنا المثالي.

وبعد أن تحاول تفسير ظاهرة المثلية الجنسية المؤنثة تبحث في تصور فرويد للرغبة الجنسية، مبينة دوره في تحكم المرأة في اختيار شريكها الجنسي، وهي ترى في هذا السياق أن الأنوثة الأكثر نجاحا ليس بوسعها أن تمنح نفسها مثلا أعلى إذ ينقصها لأجل ذلك مرآة مناسبة. وهكذا فإن المثل النرجسي الأعلى لها هو الرجل الذي تمنت أن تكونه.

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف
australia