• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

التواضع المؤسسي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 مارس 2016

استوقفتني تجربةٌ تستحق التأمل لمديرِ مؤسسة أوروبية يعرض فيها إحدَى آليات التطوير والتعلّم المؤسسي تتمثّل في مسابقة شهرية بين موظفي تلك المؤسسة كافة يُطلق عليها «مسابقة خطأ الشهر» «Mistake of the Month»، حيث يتم مكافأة أفضل مشاركة لموظف وقع منه خطأ في أثناء أداء عمله واستخلص هذا الموظف من الخطأ دروساً مستفادة وفرص تحسين تشاركها مع زملائه لتفاديه مستقبلاً وليجعل منه منصة تعليمية، ومدخلاً للتطوير والتحديث المؤسسي، وقد حققت هذه التجربة نجاحاً باهراً في تحسين مسار العمل وزيادة الإنتاجية وغرس ثقافة تحويل الأخطاء إلى فرص تحسين.

ويُعد هذا النوع من آليات التحفيز والتعلم والنقل المعرفي تجسيداً واقعياً لمفهومٍ يفتقده كثير من مؤسساتنا، وهو (التواضع المؤسسي)، فهو مفهومٌ قائمٌ على النظر إلى القصور والعجز البشري على سبيل أنه فرصة للتحسين والتطوير، ودعم شركاء العمل في رحلتهم نحو الأفضل والأجود والأكثر تميُّزاً واستدامة.

والراصد بعمق لمفهوم التواضع المؤسسي يجده يتكون من ثلاث ركائز رئيسة:

الأولى: الضمير المهني اليَقِظ الذي يحدد مسارات الخطأ والصواب، ويميّز بين المرفوض والمقبول في إطار العمل، ويلزم العاملين بالتحلي دوماً بقيم الأمانة والنزاهة والاحترافية والمصداقية والاعتراف بالقصور، لتصبح هذه القيم منارات تنير للآخرين دروبهم، في مشهد صافٍ، بعيداً عمن يتشبث برأيه، منزهاً نفسه عن الخطأ، وبعيداً عمّن ذكرهم الله تعالى فقال: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)، «سورة الكهف: الآيتين 103 - 104».

والأمر الثاني يتعلق بالأمانة المهنية التي تتجسد في السلوك القويم القائم على الالتزام بالوعود والوفاء بالعهود لتسبق الرقابة الربانية رقابته الذاتية وتكون مِقود الإنسان الذي يقبض عليه بإحكام ليوجهه في أداء عمله المهني بإتقان وإحسان ويقين وضمير، واضعاً نصب عينيه أنه مؤتمن في أداء عمله أمام خالقه وذاته، ممتثلاً لأمر ربه جل في علاه: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، «سورة المؤمنون: الآية 8»، وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

وأخيراً الإرادة والتوجّه المؤسسي نحو التعلم والتطوير المستمر من خلال ممارسات وعادات وترجمات عملية وواقعية تُجسد المفهوم، لأن الكبر والغرور والتعالي المؤسسي من أهم معوّقات التعلم، والله عزّ وجلّ يقول منبّهاً ومحذّراً: «وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)، «سورة الإسراء: الآية 37». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا