• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

وَهْم القشور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 14 سبتمبر 2015

في مجتمعاتنا سواءٌ في الحوار اليومي والحياتي في المداخلات والتعليقات أو في الكتابات والمحاضرات والندوات والأشكال المختلفة للتواصل المجتمعي المعنيِّ بالكلمة والمعلومة، يسترعي انتباهي أن هناك خطراً مُحدقاً بنا جميعاً وأمراً يستحق التوقف والبحث في أسبابه ودوافعه والتعامل معه بكل اهتمام. إنه تسرُّع البعض في الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو مسميات أو تواريخ أو أسماء دون التيقن من المرجعيات اليقينية، ودون أن يُكلف المتحدث أو الكاتب أو المحاضر أو المدرب أو المدرس نفسه جهداً يُذكر للتثبت قبل أن يكتب القلم أو ينطق اللسان! ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، «سورة ق: الآية 18».

وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل هناك من يتجرؤون ولو بحُسن نية على الثوابت والتواريخ والمقاييس والمؤشرات ومراتب الريادة والمعلومات والبيانات ويقولون ما يشاءون دون التريث والتمحيص، ومع الوقت تصبح هذه الحقائق غير الكاملة وهذه البيانات غير الدقيقة مدداً متواصلاً متداولاً لدى آخرين من المتلقين سواءٌ كانوا مستمعين أو قارئين أو متدربين أو طلاباً في ساحات العلم، فنقع في المحظور حيث نعيش على الأوهام والقشور وتغيب عنا عين الحقيقة.

ولهذا فنحن مطالبون بأن نقف وقفة معرفية مع الذات ونكون أمناء على أمانة النقل والحديث والإسناد والدقة، والتحديث المستمرِّ لمعلوماتنا بشأن المؤشرات والبيانات والمرجعيات، ومما يدعو للعجب أننا أمة قائمة أصلاً على التثبت من كل شيء، وعندنا علم الحديث ورجاله قائم كله على التثبت من صحة رواية الحديث والتثبت من صدق راوي الحديث.

لقد وهب الله لنا جامعة مفتوحة تعمل أربعاً وعشرين ساعة، بها مدد من الدرر المعرفية المكتوبة والمسموعة والمرئية ألا وهي الشبكة الإلكترونية «الإنترنت»، فلماذا لا نُقيم جسورَ تواصل مع هذه الشبكة ونجعل أنفسنا ضيوفاً وزائرين دائمين لها كلما تطلب الأمر معلومةً هامة، أو دقة مصطلح؟

وهناك الكثيرون من الباحثين الحديثي التخرج الطامحين إلى عمل بحثي معرفي في ظل شح الوظائف وتنافسية الأسواق الجاذبة للمهارات والكفاءات البشرية، وهؤلاء الباحثون يمكن التعاقد معهم للعمل من مواقعهم ومنازلهم وأماكنهم الجغرافية سواء داخل منطقتنا أو خارجها.

لقد آن الأوان أن نعيد التفكير في مفردات الخطاب التحاوري الكتابي والشفهي اليومي مع الآخر... فلم يعد مقبولاً الإصرار على المفردات اليقينية التي تضفي القدسية والحقيقة المطلقة على أُطروحاتنا مثل «أنا أجزم»... أو «ليس هناك شك في أن»... أو «نحن جميعاً متفقون على أن».. أو «هذه هي أهم حقيقة».... وغيرها من مفردات كتابية وسمعية تجعل الطرح المقدم هو الطرح الأوحد بينما الحقيقة الكاملة غائبة.

ولهذا رفقا بأنفسنا ولنتذكَّر أن نتفكَّر قبل أن نطرح ونمنهج ونؤكد ونجزم لأن الحقيقة التي لدينا هي أحد أوجه الحقيقة، بينما هناك وجوه أخرى غائبة بفعل إصرارنا على الوجه الواحد، يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: «القناعات الراسخة أكثر خطورة على الحقيقة من الأكاذيب». ويقول الإمام الشافعي: «كلامي صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب».

د. عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا