• السبت غرة صفر 1439هـ - 21 أكتوبر 2017م

كيف تريد لطفلك أن يقرأ وهو لم يركَ أبداً وفي يدكَ كتاب؟

عادة.. وسعادة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 مارس 2016

باتريثيا راميريث *

ترجمة - د. محسن الرملي

في هذا المجتمع المهووس بأجهزة الآي باد واللابتوب وسيل البرامج التلفزيونية السطحية، وألعاب الفيديو ومختلف أجهزة ألعاب البلاي شتيشن وأجهزة الكمبيوتر ثم الهواتف المحمولة التي صارت تبدو مثل سوبرماركت تجد فيه كل شيء؛ واتساب، فيسبوك، تويتر، رسائل مكتوبة، رسائل صوتية، إنترنت، ألعاب، صحف واتصالات صوتية ومرئية وغيرها، أترى وسط كل هذا ثمة من يعتقد أن الأطفال سينظرون إلى القراءة، باعتبارها جذابة؟ للأسف لا، فلا الأطفال ولا الذين لم يعودوا أطفالاً.

إن القراءة (عادة)، ومثل أية عادة أخرى، يمكن اكتسابها بالتربية... فكيف تريد لطفلك أن يقرأ وهو لم يركَ أبداً وفي يدكَ كتاباً؟ إذا أردنا أن يكون هناك مستقبلاً لأشخاص يتمتعون بمستوى ثقافي معقول، قادرين على الإبداع، لديهم أفكارهم الخاصة، يمتلكون القدرة على التمييز والتحليل، يتمتعون بثراء الخيال ولديهم القابلية الذاتية الخاصة على التفكير، فعلينا أن نشجع عادة القراءة منذ الصغر وبشتى السبل.

إن هذا المقال ليس إعلان حرب مفتوحة ضد التلفزيونات التافهة ولا ضد التطور التكنولوجي، وإنما هو صرخة تنادي بفوائد القراءة. إن ألعاب الفيديو وغيرها الكثير من وسائل التسلية السمع بصرية تعزز الانتباه والتركيز ومهارات أخرى كثيرة تخدم جوانب عديدة في نمو الأطفال والبالغين، ولكن لا شيء منها على الإطلاق يتفوق على فوائد القراءة.

فوائد لا تحصى

يعاني الأطفال الذين لم يتم تربيتهم على عادة القراءة من مشاكل، بل ونواقص تتعلق بتدني المستوى الثقافي، زيادة عبء الإشكاليات الدراسية عليهم، بطء القدرة على القراءة، نقص المفردات وقلة الإبداع. وتشكل القراءة جزءاً من التربية على القيم، فالقراءة تعين على تنمية الخيال والإبداع وتزيد من الحس النقدي وتحسن من العمليات المتعلقة بالتحصيل المعرفي كالتركيز والانتباه، وتحسن من إدراك العلاقات بين الأشياء ومن تكوين الآراء والمفاهيم، وبعض الكتب تساعد على تغيير أداء الطفل وسلوكه. فالقراءة تحفز الطفل على أن يحلم ويسافر ويبدع ويفكر.. بل وحتى أن يضحك.

كما ترتبط القراءة بتقوية الثقة والاعتداد بالنفس، فالأشخاص الحاملين لإرث ثقافي ومعرفي قادرين على المشاركة في حوارات من أي نوع، حيث يكون بجعبتهم تصورات وتكوين معرفي يؤهلهم لإبداء الآراء وطرحها بثقة ووضوح، فالثقافة التي تأتي عن طريق القراءة تجعل الشخص أكثر ثقة بالنفس عند تحدثه وسط جماعة، لأن القارئ يكون قادراً على الدفاع عن رأيه ومقاربة ومقارنة المعلومات الخاصة بموضوع أو إشكالية ما. وهكذا فإن المسألة إذاً، لا تتعلق فقط بالثقة، وإنما أيضا بتحسن العلاقات الفردية والاجتماعية، وهي أحد أهم مصادر السعادة في الحياة.

كيف يقرأ؟

هناك كتب لكل المراحل العمرية، وإن كان الطفل لا يعرف القراءة، فهناك قصص يمكن أن تمكنه من التعود على هذا العالم، عالم الكتب. وهي كتب ذات ملمس، أصوات، تصاميم، ألوان ورسومات مختلفة، يصبح الطفل من خلالها قادراً على إدراك أن القصة هي مصدر للمعلومات والمعرفة، وإنه لمن من المهم جداً الدور الذي يلعبه الآباء والأساتذة والأقارب في تنمية حس القراءة، ليس في كونهم نماذج يراها الطفل أمامه وحسب، بل وأيضاً كمحفزين لهذه العملية.

من الأفضل أن يبدأ الطفل بقراءة ما يروق له طالما كان مناسباً لسنه، فجميع الكتب والمجلات المصورة والقصص تمتاز بجوانب إيجابية، وإن كان بعضها يمكنه أن يحفز أكثر من غيره على الإبداع والتخيل والتفكير النقدي. ومن هذه الكتب ما يسمح للقارئ باختيار الحبكة والنهاية عبر الخيارات التي يتيحها الكتاب في نهاية كل فصل، الأمر الذي يحثه ويجذبه نحو المشاركة في تصور أو إيجاد هذه النهايات بنفسه، وبشكل عام لا يجب إجبار الطفل على نوع محدد من القراءات فقط، وإنما فسح المجال أمامه للاقتراح والتعبير عما يميل إليه والسماح له بالتدخل والمشاركة في القرار المتعلق بالاختيارات.

نصائح لجذب الأطفال نحو القراءة

* تحدث عن القراءة دائماً بشكل إيجابي، وعبر بجمل من نوعية: «أنهيتُ قراءة كتاب مُسلٍّ جداً»، أو: «عندما أقرأ أشعر بسلام داخلي كبير».

* تحدث معهم عن الكتب التي تقرؤها، القصة، الشخصيات، الحبكة، الأماكن، المشاعر وغيرها... حاول أن تثير فضولهم.

* مثلما تصطحبهم للقيام بالتسوق أو لشراء الملابس وغيرها، اصطحبهم أيضاً لرؤية المكتبات. وهناك دائماً أقسام داخل المكتبات للأطفال تعد ركناً بهيجاً للقراءة. وهناك كتب ذات رسومات هائلة الجمال، الأغلفة، عناوين موحية ومغرية، رائحة المكتبات، الألوان... اتركهم يتسلون برؤية الكتب ولمسها، بفتح وقراءة الأغلفة، اسمح لهم أن يختاروا كتاباً لأنفسهم. إن المكتبات بحد ذاتها هي أماكن رائعة يجب على الناس ارتيادها مراراً وتكراراً.

* اقرأ معهم ليلاً، هناك كتب للكبار تتعلق بالقيم، ويمكن قراءتها وسط الأسرة، أنا شخصياً فعلت ذلك، وقرأت مع أولادي، مثلاً، كتاب «العالم الأصفر» للكاتب ألبرت إسبينوسا. كل ليلة كنا نقرأ فصلاً بصوت مسموع، وعلى الرغم من بعض الأجزاء القاسية في القصة، إلا أنها كانت تجربة رائعة معهم، وجعلتهم يرون العالم من منظور مختلف.

* ازرع فيهم عادة القراءة قبل النوم، بحيث تتحول إلى سلوك يومي مثل غسل الأسنان، ليقرؤوا ولو لمدة خمس عشرة دقيقة أو أقل، اسألهم، لاحقاً، عن الكتاب وكيف يمكنهم ربطه بحياتهم وبقصص أخرى.

* لا تتردد بطلب النصيحة من الأساتذة في المدرسة أو من بائع الكتب أو التقصي في الإنترنت حول أي كتاب أنسب من غيره لكل سن من عمر طفلك.

* تجنب المعاقبة ضد الامتناع عن القراءة كي لا ترتبط القراءة في ذهن الطفل بالعقوبة، وإنما ابحث عن مختلف السبل المغرية والجاذبة له، واحرص في البداية على قراءة أو تقديم قصص الشخصيات الناجحة والمعروفة أو تلك التي تتكلل نهايات أفعالها بالنجاح.

* مهم جداً وبشكل خاص، ابذل أنت نفسك المجهود لتقرأ، اجعلهم يرون الكتاب بين يديك، متلبساً بالقراءة. لا يمكن أن ننتظر أن يقرأ الطفل إن لم ير والديه يقرأان، أو إن لم يحصل على الحافز منهما بشكل مباشر. يجب أن نقدم لهم القراءة والكتب والقصص باعتبارها شيئاً رائعاً وجذاباً ومثيراً للفضول، وتنطوي على الكثير من الكنوز المعرفية حول الحياة والمستقبل. يجب أن نحافظ أيضاً على عادة رواية القصص شفهياً مثلما كان يفعل الأجداد، كما يجب أن ننفي عن القراءة كونها مجرد واجب مدرسي.

......................

* باتريثيا راميريث: كاتبة وطبيبة نفسية إسبانية.

سبب للإحباط

من المؤسف جداً الدخول إلى بيت ما وعدم رؤية حتى كتاب واحد، بالنسبة لي هذا الأمر يشعرني بالإحباط، والكتب هي أول شيء تبحث عنه عيناي عندما تتم دعوتي إلى أي بيت، أما إذا كانت موجودة، وثمة ثقة بيني وبين أصحاب البيت، فأقترب فوراً من الكتب، أنظر إليها، ألمسها، أقرأ عناوينها.. كم يسعدني ذلك!

اللعبة والكتاب

لا نناقش هنا مسألة ما هو الأفضل: إهداء كتاب أم لعبة إلكترونية؟ حيث إن كلاهما يؤدي وظيفة مختلفة، لكن لا يمكننا السماح بأن تحل الألعاب الإلكترونية محل القراءة أو العلاقات الاجتماعية. يجب أن يشغل كل نشاط مساحة الترفيه الخاصة به في وقت الطفل أو المراهق. فالألعاب الإلكترونية من شأنها أن تجعل الطفل عارفاً بعالم الحاسب الآلي ومطلعاً على التقنيات الحديثة، ولكن، من جهة أخرى، فإن بعض الألعاب الإلكترونية يمكنها أن تفاقم من روحية الصراع والتنافس والتحدي، وبالتالي تجر الطفل نحو السلوكيات العنيفة في التعامل.

إن عامل الجذب البصري في الألعاب الإلكترونية (من موسيقا، الألوان، أشكال، حركات.. إلخ) ينافس بشدة المجهود الذي يبذله الطفل لتناول كتاب وقراءته، ولكن يمكننا أيضاً أن نستغل هذا العامل الموجود في الألعاب والأفلام كي نُدخل الطفل في عالم القراءة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا