• الخميس 06 جمادى الآخرة 1439هـ - 22 فبراير 2018م

تبدي ما تخفي أرواحهم من أحلام وما تنطوي عليه قلوبهم من عذابات

سِـيَر المبدعين الوعرة..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 يناير 2013

«منذ أن انكببت على قراءة أعمال مارك توين، صار فهمي لأميركا أفضل من ذي قبل». هكذا تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عند صدور المجلد الأول لسيرة الكاتب الأميركي الشهير مارك توين (1910-1855). مارك توين ليس بدعة بين المبدعين بالطبع، على الأقل في ما يخص سيرته الثرية التي تلقي الضوء على حياته وحياة المجتمع في الآن نفسه.. في سِيَر هؤلاء المبدعين غالباً ما نقرأ الخفي والمستور والمسكوت عنه يتفجر مرة واحدة، ليضيء الكثير من أعمالهم وكتاباتهم. فيما يكتب الأدباء والمفكرون من سير ذاتية أو قريباً منها، كالمراسلات والتعليقات، تتبدى عوالم جوّانية شديدة الوعورة.. وعورة تكتنف أرواحهم المعذبة بشوقها وتوقها وآلامها المبرحة.. ربما لهذا السبب بالضبط، كان لأحزانهم كل هذا البريق، الذي كان يجتذب الناس فيما هم مفردات احتراقه بامتياز..

حسونة المصباحي

رغم انقضاء أزيد من قرن على رحيله لا يزال هذا الكاتب العبقري الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس في زمانه، وكان صديقا لشخصيات سياسية كبيرة مثل الرؤساء روزفلت، وغرانت، وكليفلاند، حاضرا في المشهد الأدبي والثقافي في بلاده، وفي العالم.

ويصف الذين اهتموا بسيرته الوثائق التي تركها مارك توين، والتي رسم فيها صورة لنفسه، ولحياته، وللأحداث التي عاشها بأنها شبيهة بـ «جبال الهيمالايا» لكثرتها، وتنوعها، وتشابكها. وخلال السنوات الأخيرة من حياته، دأب مارك توين على أن يملي على كاتبته الخاصة يومياً ملاحظات، وآراء عن حياته الخاصة، وعن قراءاته، وعن أشياء أخرى كثيرة. غير أنه كان من الصعب الكتابة عن سيرته ليس فقط وهو على قيد الحياة، وإنما بعد مرور سنوات طويلة على وفاته، بسبب مواقفه الجريئة التي اشتهر بها، والتي كانت تحرج الكثيرين من أهل السياسة، والأدب.

غادر مارك توين المدرسة بعد وفاة والده عام 1848 وهو في الثانية عشرة من عمره ليعمل في أحد المطابع براتب متواضع لكنه ضَمن له نوعا من الاستقرار المادي. وفي ذلك الوقت، كانت القرى تُصدر جرائدها الخاصة. عند بلوغه الخامسة عشرة من عمره، شرع الفتى مارك في كتابة مقالات لمجلة أسبوعية كان يشرف على تحريرها، أخوه الأكبر. ومن عمله الصحفي ذاك تعلم فن الكتابة، كما تعرف على أحوال الناس الذين يعيش بينهم. وفي الثامنة عشرة من عمره، شرع مارك توين في التجول عبر البلاد، متنقلا بين المدن الكبيرة مثل نيويورك، فيلادلفيا، واشنطن، وسان لوي. وستكون هذه الجولات، وهذه الأسفار، مليئة بالمغامرات، والتجارب التي ستحضر في ما بعد في أغلب ما سيكتبه مارك توين من قصص وروايات، ومقالات.

عند بلوغه سن الخامسة والعشرين، استقر في «الميسيسيبي»، ليعمل على ظهر إحدى البواخر التجارية. وعند اندلاع الحرب الأهلية عام 1861، انضم الى كتيبة عسكرية جنوبية غير أنه سرعان ما غادرها ليلتحق بأخيه الأكبر الذي عين كاتباً في محافظة نيفادا. وكانت رحلته عبر كاليفورنيا شاقة وطويلة، وخلالها عاش مغامرات جديدة عمقت خبرته بالحياة وبالناس، وجعلته أكثر جرأة في مواجهة المصاعب. وفي كاليفونيا، اكتشف مارك توين المغامرين الباحثين عن الثروة، والذين يعيشون في حمى دائمة للحصول عليها. وفي سان فرانسيسكو التي ستصبح مدينته المفضلة، عمل مراسلاً متنقلاً لصحف واسعة الانتشار، وسافر إلى أوروبا ليكتب العديد من التحقيقات التي حققت له شهرة واسعة لدى القراء في بلاده. وفي ما بعد سينشر تحقيقاته هذه في كتاب حمل عنوان: «رحلة الأبرياء». غير أن الشهرة الواسعة والحقيقية ستتحقق له عند إصداره وهو في سن الأربعين روايتين هما: «مغامرات توم سوير»، و»مغامرت هوكلبيري فين». وفي هذين العملين الرائعين اللذين لا يزالان من أفضل الكتب التي يقبل عليها القراء في أميركا، أثبت مارك توين قدرته الفائقة على ابتكار لغة خاصة به، وعلى مهارته في السخرية اللاذعة، وفي الدعابة السوداء. وفي الآن نفسه، نشر العديد من القصص والنصوص التي أدان فيها مخاطر التقدم الصناعي على الطبيعة، وعلى الإنسان بصفة عامة. كما انتقد المسيحية بشدة، مشهرا بالجرائم التي ترتكب باسم الله. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا