• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

صناع السياسة الأميركية يعتقدون أن تقييمات المجتمع الاستخباري تمثل انعكاساً للتوجهات السياسية للعاملين فيه، أكثر مما هي تحليلات معمقة ومتقنة

نووي إيران.. والإحباط الاستخباري الأميركي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 04 سبتمبر 2015

ما من قضية حظيت باهتمام أكبر مما حظيت به قضية إيران وبرنامجها النووي على وجه التحديد من لدن أوساط أجهزة الاستخبارات ودوائر صنع القرار الأميركية. لكن التقارير والمعلومات الاستخبارية قلّما تأتي دقيقة وقاطعة، ولنا في حالة التعامل مع البرنامج النووي العراقي خير دليل على ذلك. ويعتقد روبرت جيفرس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، في كتابه الذي نعرضه هنا، وعنوانه «إيران: كيفية تقاطع السياسة والاستخبارات»، أن أهم سؤال يثار في سياق التعامل مع إيران: هل تتصرف إيران بدافع مخاوفها ورغبتها في ضمان أمنها، أم بدافع طموحاتها وتطلعاتها لبسط هيمنتها على المنطقة؟ ويعتقد جيفرسون أنه من الصعب للغاية على أجهزة الاستخبارات تقديم إجابة تحليلية حول ذلك السؤال، لكونه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بخيارات سياسية.

لا خلاف على أن إيران، يقول المؤلف، باتت تمثل حالة مستعصية أمام الوكالات الاستخبارية الأميركية، ومن أسباب ذلك أن القرارات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني لا تتخذ إلا على أرفع المستويات، ومن ثم فإن مسألة إنتاج إيران للأسلحة النووية لن يفصل فيها على الأرجح غير المرشد الأعلى خامنئي. وفي هذا الخصوص يمتلك المجتمع الاستخباراتي الأميركي الكثير من المعطيات والبيانات، لكن المؤلف يستبعد احتمال تفهمها على نحو سليم ودقيق. والمشكلة هنا، كما يقول، ليست في تدني مستويات المهارة والخبرة، ولكنها تكمن أيضاً في ظاهرة «راموشون»، والتي تعني ميل طرف ما خلال خوضه الصراع إلى العيش في عوالم إدراكية مختلفة كلياً عن الواقع، يحددها بتفسيره وفهمه الذاتييين لما يراه ويلمسه. ويشك المؤلف في معرفة الاستخبارات الأميركية بما يجري في إيران بالفعل، وبمدى تأثير التحالفات الحزبية والفئوية على سياسات إيران النووية، وبطبيعة ذلك التأثير. ورغم ما يقال حول فصائل وحركات «معتدلة» وأخرى «محافظة»، فإن تلك المصطلحات لا تنبئ غالباً بالكثير مما يحدث على أرض الواقع.

ويعتقد المؤلف أن التقييمات والاستنتاجات التي تخلص إليها الوكالات الاستخبارية الأميركية في الشأن الإيراني، تأتي وثيقة الصلة بالسياسة، وهو ما يثير مشكلتين، الأولى أنه بينما ينبغي على هذه التقييمات والاستنتاجات النأي بنفسها عن «الوصفات» السياسية الجاهزة، فإن هذه الأخيرة قد لا يمكن تفاديها في هذا النوع من التحليلات. أما الثانية فتتمثل في نزوع صناع السياسة الأميركية إلى الاعتقاد بأن الأجهزة الاستخبارية لا تتمتع بقدرات فائقة في هذا الميدان، وبأن الأحكام التي يتوصل إليها المجتمع الاستخباري يمكن أن تكون انعكاساً للتوجهات السياسية للعناصر العاملة فيه أكثر مما هي شواهد ودلائل قاطعة أو تحليلات معمقة ومتقنة.

ولكي ترتقي التحليلات الاستخباراتية إلى أقصى درجات الفاعلية والتأثير، يقترح جيفرس أن يكون المجتمع الاستخباري على مقربة من صناع السياسة بما يكفي للوقوف على ما يدور في أذهانهم من أسئلة واستفسارات، لكن ليس إلى الحد الذي يجعله عرضة للتأثر بالضغوطات التي قد تدفعه لتقديم الإجابات كما يتمنى صانعو السياسة سماعها. وحتى لو أمكننا القول إجمالا: إن الأجهزة الاستخبارية الأميركية منشغلة بسياسة واشنطن حيال طهران، فإنها تواجه في هذا المضمار، كما يشرح جيفرس بإيضاح واسع في كتابه، عقبات كأداء تشعِرها بالحيرة والإحباط.

محمد ولد المنى

الكتاب: إيران: كيفية تقاطع السياسة والاستخبارات

المؤلف: روبرت جيفرس

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا