• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الهند قادمة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 سبتمبر 2015

هاشم صالح

الهند قادمة إن لم يكن اليوم فغداً أو بعد غد. إنها العملاق الآسيوي الثاني. وهي صاعدة نحو القمة والمجد لامحالة. وهذا ما توقعه أندريه مالرو منذ أكثر من خمسين سنة. فالهند من أقدم الحضارات في التاريخ وأكثرها عراقة. إنها بلد المليار والثلاثمائة مليون شخص. بلد الروحانيات العميقة وأحدث أنواع الاختراعات التكنولوجية في آن. بلد الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة. بلد المفارقات والتناقضات العجيبة. فهي مشكلة من ثمانية وعشرين دولة، ومن إحدى وعشرين لغة رسمية، وألف وستمائة واثنتين وخمسين لهجة، وأكثر من عشرين ديناً ومذهباً، ومع ذلك تدعى بالاتحاد الهندي!

ما الذي يجمعها يا ترى؟ لماذا لا تنهار وتتفكك إلى خمسين دولة؟ لماذا لا تشتعل فيها نيران الحروب الأهلية والمجازر اليومية؟

لأنها أكبر ديمقراطية في العالم. ولأنها قائمة على فكرة التسامح والتعايش لا التعصب والكراهية. وهناك خلفية فلسفية عامة يلتقي على أرضيتها الجميع من هندوس ومسلمين وجانيين وسيخ ومسيحيين الخ.. وهذه الخلفية الفلسفية العميقة تقول لنا بأن الوحدة تكمن خلف التنوع الفوار والهائل للمظاهر السطحية. هذه العقيدة الهندوسية - البوذية العميقة هي التي تمسك الهند فلا تتفكك. وهي التي تمثل التراث العميق للهند وهو أقدم تراث في التاريخ البشري ويعود إلى خمسة آلاف سنة وربما أكثر. والقيم الأساسية للشخصية الهندية تتمثل فيما يلي: البحث عن الحقيقة، أهمية الوحدة فيما وراء التنوع والاختلاف، الزهد في الحياة الدنيا والثروات والوجاهات، الطاعة والقناعة، التسامح وفلسفة اللاعنف، السيطرة على الذات وعدم الاستسلام للانفعالات الغرائزية الهائجة.

من الهند إلى الإمارات

ينبغي القول بأن المرسوم الحضاري الذي أصدرته الإمارات مؤخراً عن منع الكراهية والتكفير والتمييز العنصري والطائفي ينطبق على الهند تماما. فلولاه لما كان التعايش فيها بين مختلف الفئات أمرا ممكناً. فعلى الرغم من الاختلاف الشديد في الأعراق والقوميات واللغات والأديان والعادات والتقاليد فان الهند استطاعت أن تصهر كل ذلك في بوتقة واحدة وتولد الشخصية الهندية الجامعة. وهذا أكبر دليل على أن الاختلاف يمكن أن يكون نعمة لا نقمة. إنه غنى وثروة للأمة إذا ما عرفنا كيف نفهمه بشكل متسامح، منفتح. أما إذا انغلقنا على أنفسنا وتعصبنا لديننا وطائفتنا ومذهبنا وكفرنا الآخر وشيطناه فعندئذ يصبح الاختلاف لعنة ومصدراً للحروب الأهلية والمجازر. كل شعب من شعوب الهند قدم عطاءه الخاص لهذه الأمة العظيمة. الهندوس قدموا عطاءهم، والمسلمون قدموا عطاءهم، وكذلك الشيخ والمسيحيون والبوذيون الخ.. ونتجت عن كل ذلك الحضارة الهندية الشاملة. والهند مشكلة من ثمانين بالمائة من الهندوس. ولكن هل نعلم بأن المسلمين يجيئون في المرتبة الثانية. فعددهم يحاذي المائة وثمانين مليون شخص. والهند هي البد الإسلامي الثالث في العالم من حيث عدد السكان بعد اندونيسيا والباكستان. ولكنها ستصبح قريبا البلد الأول. وعلى الرغم من بعض الانفجارات والصراعات التي اندلعت بين متطرفي الهندوس ومتطرفي المسلمين إلا أن التعايش هو السائد وهو القاعدة العامة. ناهيك عن أن الإصلاح الإسلامي ابتدأ في الهند على يد السيد أحمد خان (1817-1898) وتلامذته (لا أستبعد أن تطل علينا الأنوار الإسلامية من الهند)، وقد أثر هذا المصلح الكبير على الشاعر والمفكر الإسلامي الشهير محمد إقبال (1877-1938)، وكذلك على أستاذ جامعة شيكاغو وصاحب كتاب (الإسلام والحداثة) المفكر الباكستاني فضل الرحمن (1919-1988). وبالتالي فالهند لم تقل كلمتها الأخيرة بعد بالنسبة لنا نحن العرب. بل وعندها أشياء كثيرة يمكن أن نتعلمها منها. يضاف إلى ذلك أن الهند جارتنا. إنها على بعد مرمى حجر من منطقة الخليج العربي. ويجمع بيننا وبينهم: بحر العرب! وبما أن مركز الثقل العالمي سوف ينتقل قريبا إلى منطقة الشرق الأقصى فإن من مصلحتنا أن نتوجه بأنظارنا نحو الشرق بعد أن توجهنا بها نحو الغرب على مدار القرنين الماضيين. فالغرب الذي سيطر على العالم منذ أربعة قرون ابتدأ يفقد هذه السيطرة مؤخراً كما يقول المفكر الفرنسي المحترم جان كلود غيبو.

لقد قام رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي مؤخراً بزيارة تاريخية إلى الإمارات العربية المتحدة. وهي أول زيارة له إلى منطقة الشرق الأوسط. وهذا أكبر دليل على مدى الأهمية التي يوليها للإمارات. ولا يخفى على أحد حجم الجالية الهندية الكبير في الإمارات، وما يحولونه من الأموال إلى بلادهم تقدر بالمليارات سنوياً، وهي ذات أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد الهندي. يضاف إلى ذلك أن الهند كبلد صاعد وضخم بحاجة ماسة إلى الطاقة البترولية والغازية. ولذا فان علاقاتها بالإمارات هامة جدا. فهي المستورد الثاني للطاقة منها بعد اليابان. من هنا أهمية العلاقات الإماراتية - الهندية. وهي علاقات مرشحة للتطور أكثر فأكثر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف