• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

خبز وورد

في انتظار مبسم جديد

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 29 أغسطس 2015

مريم جمعه فرج

تبحث عن مكان أو تصرف وحيد يشعرك بالأمان، قد يكون عندما تدخل المكتبة وتنهمك في التفتيش عن شيء تقرأه. هناك عالم على الرغم من صغر مساحته يشعرك بلانهايته ووقتك يتجاوز حدود الزمن الذي وضعته في تصورك كي تكون فيه، وقد يشعرك بأنه الملاذ الآمن الذي يجمع البشر المتضادين دون أن يكون لذلك أهمية. لغة السكون والصمت التي يتداولونها تحبها أكثر من صخب العالم الخارجي، ولغة العنف والموت والخوف والرعب والتوتر في الخارج في هذا اليوم. لغة تريدها أن توقظ مشاعر الإنسان فيك، مثل لغة «ت.س.اليوت» أو«السياب». لغة «الأرض اليباب» و«أنشودة المطر»، ترغب في تفقدها كلما مررت بالمكان.

في عوالمهم الآمنة هناك يحتفلون بإليوت في الذكرى الخمسين لرحيله، جوائز وطبعات ورقية جديدة وهذه المرة طبعة جديدة من قصيدته الشهيرة التي وضعها في بدايات القرن العشرين كأنما ليعود الناس إلى قراءتها في وقت آخر، وهي تذكر بدعوته إلى عالم يعطي قيمة للإنسان ويعطي قيمة للحياة. تبحث عن شاعر جميل مثله فتجده السياب ولا أحد غيره، ثم تتذكر أنه على الرغم من كونيته إلا أن مكانه هناك في عالمنا العربي وأكثر دقة في الذاكرة والقلب. تقارن بينه وبين اليوت متمنياً أن تعرف تفاصيل أكثر دقة عن المبدع الذي رحل وهو مايزال يحلم بعالم يعطي قيمة للإنسان والحياة. زمن بعيد يفصل بين عالمنا وعالم إليوت وعالمنا وعالم السياب وبين مشكلاتنا ومشكلاتهم، لكن ما أشبه الليلة بالبارحة عندما تكتشف أن الأمر ليس بحاجة إلى أكثر من التأمل في شأننا الإنساني.

كلا الشاعرين كان واقعياً في نظرته للحياة في عالم لم يكن يستعصي عليه فهمه مثلنا، كلاهما لم يكن متشائما وكلاهما كان شعره بمثابة السلطة، سلطة خطاب حال الإنسانية الموجه لعالم من النماء المادي المقزم للإنسان، محذراً من موت المشاعر في داخله. والكثيرون قرأوا إليوت ودرسوه ودرَّسوه للتلاميذ ضمن مقرراتهم التعليمية في الغرب، والقليلون تعرفوا على السياب في مدارسنا! لكن الشيء بالشيء يذكر. إليوت يذكر بالسياب رغم اختلافه، وعالم إليوت والربيع الذي يتلاعب بأوتاره يذكر بالعالم الذي تغنى من أجله في انشودة المطر متفائلاً.: مطر... مطر... مطر.. في كل قطرة من المطر.. وكل دمعة من الجياع والعراة.. هي ابتسام في انتظار مبسم جديد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا