• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

القراءات والنبوءات التي نشرها هيكل عن السودان تحققت، وقد توصلت إلى هذه القناعة لأن أفكاري قد أنضجها الزمن

الأستاذ هيكل والسودان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 28 فبراير 2016

عبدالله عبيد حسن*

برحيل الأستاذ محمد حسنين هيكل عن عالمنا هذا ، انطوت صفحة من تاريخ الصحافة العربية المعاصر، ومن تاريخ مصر الوطني، صفحة عامرة بالإيمان والوفاء والنضال الفكري من أجل الوحدة العربية، ومن أجل التقدم والسيادة وحقوق الإنسان العربي... ولم يكن هيكل صحفياً مبرزاً وحسب، بل كان ومعه «الأهرام» العتيدة مدرسة في الفن والعلم الصحفي، وفتح آفاقاً في العمل الصحفي... وكتب عن قضية فلسطين مقالات وتحقيقات صحفية في مجلة «آخر ساعة» -التي كان محررها- تبقى مرجعاً لمن أراد المعرفة العميقة بقضية العرب المركزية... وكتب عن سوريا وانقلاباتها العسكرية، وعن ضباطها وأحزابها المتعددة، وكانت عقيدته السياسية أن سوريا تبقى خط الدفاع الشمالي العتيد لمصر العربية... وكل ذلك كان قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو العام 1952 بقيادة جمال عبدالناصر.

وقد كان السودان في قلب اهتمامات هيكل العربية والأفريقية منذ وقت مبكر من حياته الصحفية، وزار السودان، على ما أذكر، في أواخر العام 48 أو أوائل العام 1949.. وامتدت رحلته الصحفية للسودان لأكثر من عشرة أيام، أجرى خلالها لقاءات وحوارات صحفية مع قادة الطبقة السياسية من جميع الأطياف السياسية.. من الاستقلاليين.. الاتحاديين.. الجنوبيين... إلخ. وعاد إلى القاهرة، وبدأ في الكتابة عن حصيلة تلك الرحلة الصحفية مقالات عندما رجعتُ لها بعد عقدين من الزمن وجدتها قمّة في المعرفة ودقّة الملاحظة عن كل ما سمعه ممن التقَى بهم من السياسيين السودانيين آنذاك.

وبدأت تلك العلاقة المتوترة من جانب السودانيين مع الأستاذ.. فقد أغضبت مقالاته وتعليقاته الذكية الاستقلاليين (حزب الأمّة فيما بعد)، ولم تلقَ الرضا من الاتحاديين (دعاة وحدة النيل) الذين افترضوا أن واجب هيكل أن يدعو لهم، ويسعى لتحسين صورتهم لدى القارئ المصري والسوداني!

وقد صحب هيكل عبدالناصر في زيارته الأولى للسودان العام 1960، وكانت الأجواء السياسية مشحونة بالتوتر من جانب المعارضة الوطنية الديمقراطية ضد حكومة الفريق عبود العسكرية، وبغضب خفي ضد عبدالناصر الذي دعم الحكم العسكري والفريق عبود دعماً كبيراً... مما أثر على الاستقبالات الشعبية السودانية للزعيم المصري... وجاءت ثورة أكتوبر العام 1964 في وقت كان بعض الزعماء الأفارقة يصفون السودان بـ«رجل أفريقيا المريض»... وكتب الأستاذ مقالته المشهورة عن السودان حول الثورة كان عنوانها: «السودان ثم ماذا بعد؟!!»، وهاج بعض الجمهور الذين لم يقرأ أكثرهم المقالة وانتهز «الإخوان المسلمون» الفرصة وهرج خطباؤهم ما شاؤوا في المساجد يوم الجمعة ضد جريدة «الأهرام» وكذلك هيكل وضد مصر عبدالناصر كلها، وقادوا مظاهرة من قلب الخرطوم بعد صلاة الجمعة وأحرقوا «الأهرام» واعتدوا على السفارة المصرية.

وقد كنتُ في القاهرة يومها، فاتصل بي صديق عزيز من هيئة مكتب الرئيس، وسألني عن هذا الذي يحدث في الخرطوم! وقد قلت له بقدر معرفتي إن الذين حركوا هذا الغضب استغلوا مقالة هيكل يوم الجمعة، التي صدمت مشاعر الناس الذين خرجوا بثورة في نظرهم هي فريدة في تاريخ الثورات المعاصر! وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الصديق مبكراً ودعاني لزيارته في مكتبه المجاور لمكتب الرئيس.. وقال لي بدون مقدمات إن رسالتك وصلت للرئيس، وهو يقترح أن تلتقي بالأستاذ هيكل لقاءً مباشراً، وأن تتحاور معه والأستاذ جاهز لذلك.. وقد كان.. وبكل حماس الشباب آنذاك تحدثت مع هيكل، واستمع هو لي بصبر وأناة.. ثم قال لي ما رأيك أن تكتب انتقاداً حول هذا المقال لـ«الأهرام» وسأنشره... وقد كان، فقد نشر مقالي بدون أن يحذف منه ولو كلمة واحدة! وهكذا كان هيكل الكاتب الذي يتقبل حتى النقد ضده من صحفي شاب بكل رحابة صدر. وقد رجعت بعد سنوات قليلة لمقال الاستقلال الذي هيج عليه السودانيين ولردي عليه، فوجدت أن كل القراءات والنبوءات التي نشرها هيكل عن السودان قد تحققت، وقد توصلت إلى هذه القناعة الأخيرة لأن أفكاري ومواقفي قد أنضجها الزمن بكل ما فيه من مرارة وهزائم قومية ووطنية. رحم الله هيكل بقدرما أعطى وقدّم لوطنه وأمته.

* كاتب سوداني مقيم في كندا

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا