• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

هلاوس

سُعار الأسعار

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 04 يناير 2014

د. أحمد خالد توفيق

كل شيء يرتفع سعره مع الوقت.. حقيقة لا نحتاج لأن نذكرها أصلاً، لكن ما يختلف هنا هو السرعة التي يتم بها هذا الارتفاع. لست من هواة الندم. هناك أناس يستمتعون بهذا بشدة، وأذكر أن أبي يرحمه الله كان يجلس في لحظات العصر الرائقة يتذكر في حسرة:

- «كدت اشتري تلك الفيلا بثلاثة آلاف لولا أنني اختلفت مع المالك بسبب 500 جنيه.. اليوم هي تباع باثني عشر مليوناً»..

- أو: «كان سعر متر الأرض في تلك المنطقة يعادل ثمن خمس ليمونات.. اليوم سعر المتر سبعة آلاف جنيه»، كنت أنظر لوجهه فأرى استمتاعاً حقيقياً.. كأن الشعور بالخسارة يورث نشوة لا شك فيها. الخلاصة أنه لو فعل ذلك سيكون في ثراء قارون، أي لو أنه اغتنم اللحظة المناسبة لشراء الأشياء المناسبة. الحقيقة هي أنني لست من الطراز الذي يشعر بالندم لهذا الحد.

في النهاية سوف نذهب جميعاً للقبر ولن يعرف ورثتك أنهم كانوا سيصيرون مليارديرات لولا تخاذلك. هناك أشخاص لا يملكون هذه الموهبة التجارية ولا حاسة العقارات. أنا منهم وأبي كان منهم.

مارك توين الكاتب الأميركي الساخر أنفق ماله في شراء أسهم أي مشروع فاشل مر به في حياته.. في النهاية جاءه واحد يطلب منه مساعدته في تمويل اختراع جديد، وهذه المرة لم يعد مارك توين على استعداد لأن يخدع، من ثم رفض هذا العرض. الاختراع كان عجيباً يتضمن أن يخاطب الناس بعضهم وهم في بيوتهم باستخدام أداة تتصل بسلك!.. هكذا نرى أن مارك توين رفض أن يستثمر ماله مع جراهام بل في الهاتف! هذه هي المرة الوحيدة التي قرر فيها أن يكون أريباً.. أنا أملك موهبة مارك توين هذه. أي شيء أشتريه بدءاً بجهاز محمول جديد أو جهاز تلفزيون حتى عقار أو قطعة أرض يرخص ثمنها أو ينهار.. لا بد أن يحدث هذا.

لهذا فكرت في أن أبتاع كل شيء ممكن رحمة بإخوتي في البشرية.. لكن الحياة معقدة وليست بهذه البساطة. هناك ذعر يغمر الناس خلاصته أن الأسعار سوف تقفز. تقابل هذا الرجل أو ذاك فتجده ينظر لك بعينين جاحظتين والعرق يبلل جبينه ويهتف: «ألم تشتر شقة بعد؟.. الأسعار ستتضاعف في شهر مايو..» أو: «سعر الدولار سيقفز.. اشتر دولارات بأي طريقة قبل يونيــو» وهكذا تشعر بالتقصير وبأنك أحمق.. كل دقيقة تقربك من الخراب والنهاية، أو هي على الأقل تحرم أطفالك من الرزق وتجعل مستقبلهم أسود.

صديق لي ابتاع غرفة نوم لا يريدها لأن سعر الخشب سيتضاعف، وآخر لا يجيد القيادة ابتاع سيارة لأن أسعار السيارات ستتضاعف. هناك ربة البيت التي تنزل للسوق لتبتاع أطناناً من الأرز واللحم والمكرونة، لأن الأسعار ستثب وثبة مرعبة. كل لحظة تضيعها تدل على أنك أحمق.. اشتر شيئاً وبسرعة.. تقول لهم بصوت مبحوح: «لن تتضاعف أسعار العقارات لأن الحالة الاقتصادية لا تسمح ولا توجد سيولة»، فينقضون عليك ليؤدبوك.. أنت أحمق بالفعل لا تفهم ما تقول. الناس من خوف الفقر في فقر.. هذه مقولة صحيحة تماماً.

صحيح أن على المرء أن ينتهز الفرص، لكن هذا قد يقودك لشراء أشياء لا تريدها أبداً.. هل عندك ماكينة ري؟.. لابد أن تشتري واحدة لأن ثمنها يرتفع بسرعة. أسعار جهاز إليزا المخصص للتحاليل الطبية يرتفع بسرعة.. لماذا لا تبتاع لنفسك جهازي إليزا بالمرة؟. أجهزة الأشعة المقطعية استثمار ممتاز كذلك... وماذا عن المفاعلات النووية؟.. لا شك أنها استثمار رائع.. على المرء أن يبتاع مفاعلاً نووياً بأي مال يملكه.. لو كان سعر المفاعل ملياراً فلسوف يصير ثلاثة مليارات فيما بعد، ولسوف تكتشف فيما بعد أن المفاعلات تباع كالكعك الساخن.. فعلاً أنا مندهش من كل هؤلاء القوم الذين يضيعون وقتهم، بينما الفرص تتدلى كالتفاح من فوق رؤوسنا لا تحتاج إلا إلى من يمسكها.. لهذا لم يصبح كل الناس مليارديرات.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا