• الخميس 10 شعبان 1439هـ - 26 أبريل 2018م

ليبيا.. من شرعية الثورة إلى سيادة الدولة (2-3)

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 31 ديسمبر 2017

الحسن ولد المختار

مراكز القوى الجديدة القديمة.. ونظام القبيلة والغنيمة

وبُعيد التحرير مباشرة، وفي لحظة مؤسِّسة فارقة، تنحّت قيادة ثورة 17 فبراير، حيث تم حل المجلس الانتقالي الذي مثل زعامة سياسية كانت طيلة أشهر الثورة محل إجماع وإشادة، في الداخل والخارج، وكان برئاسة وزير العدل السابق المستشار مصطفى عبد الجليل. وحُل أيضاً المجلس التنفيذي الذي مثل حكومة تسيير أعمال كفؤة برئاسة الدكتور محمود جبريل. واعتمد ما سمي «الإعلان الدستوري» كنظام جديد للحكم. وبانسحاب وغياب القيادتين السياسية والتنفيذية للثورة، اللتين أدارتا أشهر الصراع بكفاءة، في تلك اللحظة الفارقة، بدل قيادتهما المرحلة الانتقالية اللاحقة حتى اكتمال العبور الحرج من نقْع غبار الثورة إلى استعادة استقرار الدولة، بكل ذلك انفصل رأس ثورة فبراير ومصدر ترشيدها عن الكتلة الملتهبة من المجموعات السياسية والقبلية والمليشيات المسلحة المتزاحمة المتلاطمة داخلها. وراحت هذه الكتلة الملتهبة تفرض، مع مرور الوقت، شرعيتها الثورية الجديدة، في غياب إطار ناظم وقواعد اشتباك وضبط وربط قادرة على ترويض جموحها وجنوحها نحو الاستمرار في التغول والعنف والعسف والاستثمار في الفوضى، وفرض قانون القوة بدلاً عن قوة القانون.

وبسرعة صار في كل مدينة ليبية مجلس عسكري خاص بها، وأصبحت لكل قبيلة مجموعة كتائب مسلحة تكاد تقتصر على أبنائها، دون غيرهم. وارتسمت خطوط صدع وردع واستقطاب وتحالف قبلية جديدة تستدعي في الذاكرة بعض اصطفافات وتقاليد «الصفوف» القبلية القديمة. وكان الطابع الجهوي للمجالس العسكرية، والطابع القبلي لكتائب الثوار، مخصوماً، بالقوة والفعل، من فرص إعادة بناء مؤسسات الدولة السيادية الحيوية كالجيش الوطني والمنظومة الأمنية المركزية. وقد حمل ذلك، طبعاً، في طياته بذور صراعات الموجة الثانية التالية، شبه المعلنة دون مواربة، على خطوط صدع جهوية وقبلية ما زالت مستمرة حتى الآن، وخاصة مع إغراءات وجود الغنيمة المثيرة، ممثلة في المدخرات السيادية الكثيرة، والعائدات الريعية النفطية الكبيرة. وبسرعة ظهرت ثلاث مراكز قوى جهوية كبرى، هي قوى الثوار «الشراقة» من قبائل ومدن برقة، التي اكتسبت الكثير من السلاح الداخلي والخارجي خلال أشهر الثورة. ومجموعات مدينة مصراتة التي تزعمت ثورة الغرب الليبي وتمكنت بعض كتائبها من نهب مخازن سلاح جيش القذافي عند تحرير طرابلس، وتحالفت معها خلال التحرير وبعده مليشيات مدن جبل نفوسة من الزنتان والأمازيغ. كما نجحت مصراتة أيضاً، في تعبئة تحالف ضمني من «الحضَر» بحشد تحالف من بعض أهم مدن الغرب الليبي كزليتن والخمس والزاوية وغريان وزوارة، لتقليص أي دور أو حضور لـ«البدو» الذين كانوا يعتبرون هم القرص الصلب والشريحة النافذة في عهد القذافي وخاصة قبائل ورفلة والقذاذفة والمقارحة وورشفانة والعجيلات والنوايل والصيعان.. الخ. وأما مركز القوى الثالث فظهر في الجنوب في مدينة سبها، عاصمة إقليم فزان، ممثلاً في قبائل أولاد سليمان، وزعامتهم التاريخية التقليدية أسرة سيف النصر، وقد لعبت هذه الأسرة دوراً مؤثراً في ثورة فبراير ولها خصومة مزمنة مع نظام القذافي، وزحياناً بعد الثورة مع قبيلة القذاذفة.

وراحت هذه المراكز الثلاث للقوى، تتفاعل مع بقية مفردات المعادلة الليبية الأخرى، في ضوء موازين القوى الجديدة، وهو ما أدى إلى صراع الكل ضد الكل بعد فترة وجيزة لاحقة. وقد اصطدمت القوى المدنية والقبلية في برقة مع المليشيات الإسلامية المتطرفة، واصطدمت مليشيات المصاريت في طرابلس مع أهل المدينة، ومع كتائب الزنتان كالصواعق والقعقاع، ما أدى لإخراج هذه الأخيرة من المدينة وإحراق مطار طرابلس العالمي، كما اصطدمت مع قبائل أخرى كثيرة منها ورفلة في بني وليد، وورشفانة في سهل جفارة. وفِي الجنوب اصطدمت أيضاً قبيلتا أولاد سليمان والزويّه مع التبو. واصطدم هؤلاء مع الطوارق.. الخ. وكان من المفارقة أن كل طرف في هذه الصراعات اللاحقة كان يستند في دعاواه ودعايته إلى مبدأ الشرعية الثورية، تماماً كما كان الحال في عهد نظام القذافي.

والأدهى من ذلك والأنكى -وربما الأبكى- أن نظام الشرعية الثورية الجديد هذا ظهر أيضاً حاملاً معه بذور استدامته واستمراره، مرسخاً بذلك وصفة فشل مستدامة لعرقلة مشروع إعادة بناء الدولة من جديد. ولعل من أبرز أسباب تغول نظام شرعية الثوار الجدد التي أدت إلى عرقلة بناء نظام سياسي متماسك، وحكومة فعالة، ما يلي: ... المزيد