• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

تابعون وتابعيات تلميذ ابن عباس

سعيد بن جبير.. شهيد الحق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 21 أغسطس 2015

Ihab Abd Elaziz

أحمد مراد (القاهرة)

كان سعيد بن جبير فتى مكتمل الخلق، متدفقاً حيوية ونشاطاً، ذكي الفؤاد، حاد الفطنة، نزاعاً إلى المكارم، شديد الخوف أن يقع في الإثم، وكان أسود اللون أصله حبشي.

منذ نعومة أظفاره، أدرك سعيد أن العلم وحده هو الذي يرفعه، وأن التقوى وحدها هي التي تكرمه، فشد عليهما بكلتا يديه، وكان الناس يرونه إما عاكفاً على كتاب يتعلم، أو صافاً في محراب يتعبد، فهو بين طلب العلم والعبادة، إما في حالة تعلم، أو في تعبد.

أخذ العلم عن طائفة من الصحابة، من أمثال أبي سعيد الخدري، وعدي بن حاتم الطائي، وعائشة أم المؤمنين، لكن أستاذه الأكبر، كان عبدالله بن عباس، حيث لزمه لزوم الظل لصاحبه، فأخذ عنه القرآن وتفسيره، والحديث وتفقه على يديه في الدين، وتعلم منه التأويل، ودرس عليه اللغة، ثم طاف في ديار المسلمين بحثا عن المعرفة، فلما اكتمل له ما أراد من العلم، استقر في الكوفة، وغدا إلى أهلها معلماً وإماماً.

اعتاد سعيد على شد رحاله إلى بيت الله الحرام كل عام مرتين، مرة في رجب محرِما بعمرة، وأخرى في ذي القعدة محرماً بحج، وقد كان طلاب العلم يتوافدون على الكوفة، لينهلوا من علمه، وكانت الكوفة في ذلك الوقت خاضعة للحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يتربع على ذروة سطوته وسلطانه، ثم وقع صدام بين الحجاج وسعيد، وكان الحجاج يريد أن يقتله، فآثر سعيد أن يخرج من بلاد العراق، حتى لجأ إلى قرية صغيرة في مكة، وبقي فيها عشر سنوات، حتى قدم على مكة وآل جديد من بني أمية، هو خالد بن عبدالله القسري، فما أن علم بمكان سعيد حتى أرسل إليه سرية من جنوده، وأمرهم أن يسوقوه مقيداً إلى الحجاج في مدينة واسط».

ولما صار عنده، نظر إليه الحجاج في حقد، وقال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، فقال: بل شقي بن كسير، قال: بل كانت أُمي أعلم باسمي منك، فقال الحجاج: فأي خلفاء بني أمية أعجب لك؟ قال: أرضاهم لخالقهم، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال: فما تقول فيّ؟ قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالى، تقدم على أمور تريد منها الهيبة، وهي تقحمك الهلكة، وتدفعك إلى النار دفعاً، قال: أما واللهِ لأقتلنك، قال: إذا تفسد علي دنياي، وأفسد عليك آخرتك، قال: اختر لنفسك أي قتلة شئت، قال: بل اخترها أنت لنفسك يا حجاج، فو الله ما تقتلني قتلة إلا وقتلك الله مثلها في الآخرة، قال: أتريد أن أعفو عنك، قال: إن كان العفو فمن الله تعالى، أما أنت فلا أريده منك، فاغتاظ الحجاج، وقال: السيف والنطع يا غلام، فتبسم سعيد، فقال له الحجاج: وما تبسمك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك، قال: اقتله يا غلام، فاستقبل القبلة، وقال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، قال: حرفوه عن القبلة، فقال: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» قال: كبوه على الأرض، فقال: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى»، قال: اذبحوا عدو الله، فما رأيت رجلا أدعى منه لآيات القرآن الكريم، فرفع سعيد كفيه، وقال: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي.

ولم يمضِ على استشهاد سعيد بن جبير غير خمسة عشر يوماً، حتى أصيب الحجاج بالحمى، واشتدت عليه وطأة المرض، فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى، فإذا استيقظ مذعورا، يصيح: هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي، يقول: فيم قتلتني؟ ثم يبكي، ويقول: مالي ولسعيد، فلما قضى نحبه، رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فعل الله بك فيمن قتلتهم يا حجاج؟ قال: قتلني اللهُ بكل امرئ قتلة واحدة، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا