• الخميس 03 شعبان 1439هـ - 19 أبريل 2018م

أعماله قيد القراءة دائماً.. ولا تعرف النهايات

«مجهولة» دافنشي تكشف أسراره وتضيء على عبقريته في «اللوفر أبوظبي»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 26 ديسمبر 2017

غالية خوجة (دبي)

تكمن سرية جماليات الفنان العبقري الإيطالي ليوناردو دافنشي (1452ـ1519)، في ثقافته الشمولية أو الموسوعية؛ فهو فنان وعالم وموسيقي ونحات ومعماري وجيولوجي وعالم نبات وخرائط أيضاً، ومخيلة جامحة وظفت العقلَ الفاعلَ في الفن، فأبدعتْ، واختصرت الأزمنة في لحظة، مؤكدة رسوخ روائع الإبداع برؤى مستقبلية، لأن أعماله تظل قيد القراءة التي لا تعرف النهايات.

تتعدد القراءات التي تحملها روائع دافنشي، بما تضمرهُ من نصوص مثقفة للحواس، تلتقط ما وراء الروح، بدقة فنية عالية، تشعّ منها نبضات حية، تحكي حالات مختلفة للتأمل والحزن والفرح وتخفي شعاعاً دائمَ الحركة، يراه المبصرون دون غيرهم، وربما هذا الشعاع الخفي الواضح في الآنيّة الإبداعية المتواصلة، هو أحد ألغاز لوحته الأشهر (الموناليزا)، وشقيقتها (بورتريه لامرأة مجهولة الهوية/‏ حِداد جميل)، التي أنجزها في ميلان بين عامي (1495ـ1499)، بألوان زيتية على الخشب، المعروضة في اللوفر أبوظبي، إضافة إلى محاولته الإجابة عن سرّ الوجود بفلسفة لونية تخترع حضورها من خلال أعماقه، وهي تدور بين حزن وحزن، نتيجة حياته الأسرية الخاصة.

تتماهى أعمال دافنشي مع الطبيعة الشاملة بأبعادها المنظورة واللا منظورة، ما يمنح الملامحَ وظيفتها الجمالية، وحركتَها المحيّرة، ضمن نسق الثنائيات (كتلة = فراغ) و (ضوء = ظل)، ما يجعل اللوحة ناطقة، هامسة، شاردة، حاكية، تلامس المتلقي كإنسان عابر للأمكنة والأزمنة، وهذه الأسرار الفنية تحافظ على تدرّجات رموزها، تماماً، كما تحافظ الألوان على تدرّجات أطيافها، لتترك في الأعمال حالة لا مكتوبة ولا مقروءة، لكنها موجودة بهيئة سؤال كوني، يردده دافنشي من النص العميق لكل عمل من أعماله، وكأنه يبحث سيكولوجياً عن أمه المفقودة منذ الطفولة تلك التي يشبهها إلى حد كبير، ما يجعله يزاوج ملامحه مع ملامحها، وآلامه مع آلامها، وابتسامته مع ابتسامتها، لدرجة أن الحِداد صار جميلاً بالنسبة لدواخله، وللوحته (مجهولة الهوية) أيضاً، فرغم الحِداد الجارف إلاّ أن الملامح الجوانية مشرقة بالأمل، وتتكامل مع نظرة العينين، وهما ترويان آلامَ الفراق، وتتناغمان مع حركة الفم ودقّة التعابير المنسدلة من الوجه، وتسريحة الشعر، ودقّة رسْم الفستان، والقلادة، التي يتدلّى منها طائر ميت. جدلية فنية فلسفية تناقش بصمتها اللؤلؤي الموت والحياة، بأسلوب دافنشي الذي يترك أثرَ أنامله على اللوحة، كبصمة توثيقية، يريد أن يبدأ من المجهول دائماً، رغم معرفته العميقة وعلمه الواسع واستبصاره، راغباً باستقرار روحه في السماء، تلك الحالة التي جسّدها بأعماله وأقواله، ومنها: «ما إن تتذوق طعم الطيران ستسير دوماً على الأرض فيما عيناك معلقتان في السماء حيث إنك كنت هناك وإلى هناك ستتوق إلى العودة دائماً». لوحات عديدة أخرى، أسقطَ عليها دافنشي أسرار إشعاعه المتحرك، باحثاً فيها عن المفقود وأسئلة الوجود وما ضاع منه في الطفولة، منها لوحة العذراء تغزل النسيج، سيدة القرنفل، عذراء الصخور، وهي ملامح لنساء تتحرك ضمن ثيمة فنية تبحث عن الخروج من المكانية المحددة إلى السماء، لكن، بعدما تعزف بديناميكيتها تلك المحاوَرة الخفية بين دافنشي والحياة، والتي تذكّرنا بسيمفونية بيتهوفن (القدر).

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا