• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  03:32    شيخ الازهر يدين "العمل الارهابي الجبان" ضد كنيسة قبطية في قلب القاهرة    

إذا كانت الكتابة «شيئا» فإن الرقابة هي «اللاشيء»

الرقابة.. افتراض الإثم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أغسطس 2015

سلمان رشدي ترجمة – أمين صالحسلمان رشدي

الفكاهي البريطاني بول جينينجز، في مقالة رائعة عن المقاوماتية، في محاكاة ساخرة للوجودية، رأى أن العالم قد انقسم إلى فئتين أو صنفين: «الشيء» و«اللاشيء»، ورأى أن بين الاثنين حرباً لا نهاية لها، إذا كانت الكتابة «شيئاً» فإن الرقابة هي «اللاشيء». وكما قال الملك لير لكورديليا: «اللاشيء سوف ينشأ من اللاشيء».

لا أحد يناقش الهواء

تأمل، إن شئت، الهواء. إنه موجود هنا، من حولنا.. وافر، متاح مجاناً، صالح للتنفس على نحو واسع، ولا حد له. نعم، أعرف أن الهواء ليس نظيفاً على نحو تام، وليس نقياً على نحو تام، مع ذلك هو موجود هنا، الكثير منه، يكفينا جميعاً، والفائض منه ندّخره. عندما يكون الهواء، الصالح للتنفس، متاحاً وفي المتناول، ومن غير قيد، بكمية هائلة، فسوف لن تكون هناك مطالبة بأن يكون الهواء الصالح للتنفس مقدماً مجاناً للجميع، وبكمية تفي حاجات الجميع. ما تملكه، بوسعك بسهولة أن تسلّم به وتعتبره محتّم الحدوث، وتتجاهله. ليس هناك حاجة لإحداث جلبة بشأنه لا داعي لها. إنك تتنفس الهواء المتاح مجاناً، الصالح للتنفس على نحو واسع، وتمضي منسجماً مع يومك، الهواء ليس موضوعاً، إنه ليس شيئاً يرغب معظم الناس في مناقشته.

تخيّل، الآن، أنك في مكان ما، هناك في الأعلى، تكتشف وجود مجموعة هائلة من الحنفيات، والهواء الذي نتنفسه يتدفق من تلك الحنفيات، هواء حار وهواء بارد وهواء فاتر، من وحدة مزجٍ سماوية، وتخيّل وجود كينونة هناك، غير معروفة بالنسبة لنا، أو ربما تكون معروفة، تبدأ - هذه الكينونة - في يوم ما، في إغلاق الحنفيات، الواحدة تلو الأخرى، ورويداً رويداً نبدأ في ملاحظة أن الهواء المتاح، الذي لا يزال صالحاً للتنفس، ولا يزال مجاناً، صار يتناقص. ثم يحين الوقت الذي فيه نكتشف بأننا نتنفس على نحو ثقيل أكثر فأكثر، بل ربما نجد صعوبة في التقاط أنفاسنا، عندما نصل إلى هذه المرحلة، قد يباشر العديد منا في الاحتجاج، في شجب النقص الحادث في مخزون الهواء، في الدفاع بصوت عال عن حقهم في هواء صالح للتنفس على نحو واسع، ومتوفر مجاناً، الندرة بطبيعة الحال، تجعل الشيء مطلوباً.

الحرية هي الهواء الذي نتنفسه، ونحن نعيش في طرف من العالم حيث، على الرغم من أنها غير تامة، هي متاحة مجاناً، على الأقل بالنسبة لأولئك الذين هم ليسوا شباناً من السود الذين يرتدون الأغطية الواقية للرأس في ميامي، وهي صالحة للتنفس على نحو واسع، باستثناء النسوة اللواتي يدافعن عن حريتهن وحقهن بالتصرف في أجسادهن.

حرية متاحة مجاناً وإن على نحو ناقص، صالحة للتنفس وإن على نحو ناقص، ومادامت هي متاحة مجاناً وصالحة للتنفس، فإننا لا نحتاج إلى كل الهرج والمرج بشأن ذلك، نحن نسلّم بذلك جدلاً ونعتبره محتم الحدوث، ونمضي منسجمين مع يومنا، وفي الليل، قبل أن نستغرق في النوم، نفترض أننا سنكون أحراراً في الغد، لأننا كنا أحراراً اليوم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف