• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م

يبخسون المكيال والميزان

الويل والهلاك والخسران للمطففين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 22 ديسمبر 2017

أحمد محمد (القاهرة)

لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً وكان بها تجار يطففون، بياعاتهم شبه القمار، وفيها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)، «سورة المطففين: الآيات 1 - 5»، فحسنوا الكيل بعد ذلك، فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا.

قال ابن كثير: المراد بالتطفيف هاهنا البخس في المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضى من الناس وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ...)، أي من الناس يستوفون، يأخذون حقهم بالوافي والزائد، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، أي ينقصون، وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، «سورة الإسراء: الآية 35»، وقال: (... وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا...)، «سورة الأنعام: الآية 152»، وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.

ثم قال تعالى متوعداً لهم، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أُدخل ناراً حامية، يوم يقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غُرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم.

وقال ابن الجوزي في «زاد المسير»: ويل للمطففين، الذين إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم، يخسرون وينقصون في الكيل، والوزن، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، لو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن ليوم عظيم، يوم القيامة، يوم يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، لأمره، ولجزائه وحسابه، يقومون بين يديه لفصل القضاء، وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». وقال كعب: يقفون ثلاث مئة عام، وقال مقاتل: وذلك إذا خرجوا من قبورهم.

قال الماوردي: قيل في الـ«ويل» إنه واد في جهنم، أو صديد أهل النار، وأنه النار، والهلاك، وأنه أشق العذاب، وأنه النداء بالخسارة والهلاك، والمطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون منهم، والاستيفاء الزيادة على ما استحق، وإذا كالوا أو وزنوا لهم ينقصون، فكان المطفف يأخذ زائداً ويعطي ناقصاً.

وقال البقاعي في «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»: لما ختمت سورة الانفطار بانقطاع الأسباب وانحسام الأنساب يوم الحساب، وأبلغ في التهديد بيوم الدين وأنه لا أمر لأحد معه، وذكر الأشقياء والسعداء، وكان أعظم ما يدور بين العباد المقادير، وكانت المعصية بالبخس فيها من أخس المعاصي وأدناها، حذر من الخيانة فيها وذكر ما أعد لأهلها وجمع إليهم كل من اتصف بوصفهم، كل ذلك تنبيها للأشقياء الغافلين على ما هم فيه من السموم الممرضة المهلكة، ونبه على الشفاء لمن أراده، فقال سبحانه: «ويل» أي هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة للمطففين، الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس، وفي ذلك تنبيه على أن أصل الآفات الخلق السيئ وهو حب الدنيا الموقع في جمع الأموال من غير وجهها ولو بأخس الوجوه، التطفيف الذي لا يرضاه ذو مروءة وهم من يقاربون ملء الكيل وعدل الوزن ولا يملأون ولا يعدلون، والتطفيف من الأشياء الخسيسة، ويعني التقتير والمشاححة في الكيل، والتنقيص والتقليل فيه، وكأنه اختير هذا اللفظ لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء اليسير جداً.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا