• الاثنين 03 ذي القعدة 1439هـ - 16 يوليو 2018م

ابتدعها فرد في قريته بمقاطعة ويلز فأصبحت ظاهرة عالمية

قرى عمّرتها الكلمات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 ديسمبر 2017

نجم والي

بعض الأساطير يصنعها أصحابها كأن مهمتهم في الحياة هي ليست غير هذا. ريتشارد بوث هو أحد هؤلاء. فالشاب البريطاني القادم من المدينة الصغيرة (هاي أون وي) في إقليم ويلز، عرف ذلك منذ أن بدأ بدراسة الاقتصاد (فرع تجارة الكتب) في جامعة أوكسفورد. بعد ثلاثة أو أربعة فصول دراسية، قرر الشاب الذي كان في بداية العشرين من عمره آنذاك، قطع دراسته والذهاب لتعلّم مهنته التي أحبها في شوارع نيويورك: الاقتصاد تصنعه الحياة، تلك هي الجملة التي صرح بها في حينه، كأنه كان على يقين أن المستقبل ينظر إليه.

في عام 1961 عاد الابن الضال إلى مدينة (هاي أون وي) من نيويورك وبصحبته شحنة غير عادية، حمولة تقترب من الفنتازيا: كونتينة مليئة بالكتب، 70000 كتاب من الكتب النادرة «أنتيكفاريات». وعندما أفرغ بائع الكتب المجهول حتى آنذاك بضاعته الثمينة تلك، ليؤسس على صرحها مكتبته المشهورة «أنتكفاريات ريتشارد بوث» والتي هي على شكل فيلا في مدينته الصغيرة (هاي أون وي) لم يعرف (أو ربما عرف؟ لم لا؟) إنه سيضع الحجر الأساس لما سيُطلق عليه لاحقاً «قرى الكتب» العالمية، كما أنه سيساهم بجعل تلك القرية الصغيرة التي وجدت في مشروعه نوعاً من الانتحار أو على الأقل وجدت فيه شكلاً من أشكال المزاح الإنجليزي، تعيش نهضة اقتصادية حسدتها عليها ليس القرى، بل حتى المدن المجاورة لها.

صيت حميد

الشهرة التي حصلت عليها مكتبته شجعت أصحاب مكتبات أخرى، قدموا من مدن بريطانية أخرى، على افتتاح مكتبات جديدة هناك. وبالتدريج تحولت البنايات التقليدية في القرية الصغيرة إلى مكتبات، مثلاً بناية السينما الوحيدة في القرية أو الكنيسة الوحيدة في القرية، بل حتى بناية الشرطة القديمة وبناية دار البلدية، قبل أن تتحول كل المحال والبيوت القديمة في شارع القرية الرئيس إلى مكتبات لبيع الكتب اصطفت إلى جانب بعضها، 38 مكتبة تخصصت كل واحدة منها ببيع صنف من أصناف الكتب. لكن تاجر الكتب (أو بائع الكتب كما يُطلق عليه عندنا) الطموح ذاك لم يشأ الاكتفاء بذلك، كان مثله مثل كتّابه الذين يبيع كتبهم: هو الآخر طمح بالوصول للعالمية، ومثلما جلب السورياليون وقبلهم الدادائيون الشهرة لأنفسهم عن طريق فضائحهم التي تناقلتها الألسن ووكالات الأنباء، كان عليه ولكي يحقق ما طمح إليه أن يسبب هو الآخر بفضيحة من العيار الثقيل.

في الأول من أبريل 1977 وبعد التشاور مع سكان القرية دعى ريتشارد بوث إلى مؤتمر صحفي أعلن فيه استقلال «مملكة هاي أون وي»، كما نصب نفسه ملكاً عليها، وسط حفاوة مواطنيه طبعاً. هناك صورة له مشهورة، وهو يضع التاج على رأسه (رأيتها معلقة عند بوابة قصره عند زيارتي الأولى للمدينة عام 1992)، صحيح أن الإعلان «الفضيحة» ذلك لا يستند على فقرة في القانون الدولي وهو غير ملزم قانونياً، إلا أن تناقل الصحف للخبر «الفضيحة»، وبكل ما حواه من طرافة جعل اسم القرية الصغيرة النائمة على النهر الويلزي (وي) يطير إلى كل العالم، أغلب الناس ظنّوا إنها مزحة عابرة وحسب، خاصة وإن الإعلان جاء في الأول من أبريل، يوم كذبة نيسان، مزحة أطلقتها الصحف البريطانية التي اشتهرت بنشر خبر «فضيحة» مفبرك لكن مثير للضحك وعلى صفحاتها الأولى سنوياً في الأول من أبريل، لكن عندما تحدثت الصحف ذاتها بعد أيام عن قرار جديد صادر من ريتشارد بوث «ملك هاي أون وي» وعن «المجلس الملكي» هناك يعلن عن امتناع (هاي أون واي) عن دفع الضرائب إلى لندن، عرف المرء إن الأمر أصبح جدياً. سنوات من المماطلة ومن سياسة العصا والجزرة بين العاصمة البريطانية لندن وبين القرية الويليزية الصغيرة انتهت إلى استسلام «المملكة» المتوجة حديثاً إلى التاج البريطاني. لندن انتزعت حق الضرائب، ذلك ما يهمها، أما التاج الذي وضعه ريتشارد بوث على رأسه فذلك أمر شخصي يعود إليه.

سياحة الكتب ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا