• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م

الفساد يبدد ما يقرب من 15% من الإنتاج المحلي الإجمالي لبلغاريا، والحد الأدنى للأجور فيها بلغ 544 يورو (640 دولاراً) في الشهر أي سدس نظيره في ألمانيا

بلغاريا.. حصاد هش لعضوية الاتحاد الأوروبي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 20 ديسمبر 2017

إليزابيث كونستانتينوفا وسلاف أوكوف*

قبل عقد من الزمن نزل البلغاريون بأعداد كبيرة إلى الشوارع ليحتفلوا بانضمام بلدهم الشيوعي السابق إلى الاتحاد الأوروبي، ووصف رئيس الوزراء البلغاري في ذاك الوقت «سيرجي ستانشيف» ما حدث بأنه «حلم تحقق»، ولم تكن نشوة الفرح تتعلق بمجرد التخلص من ميراث البلاد من كتلة الشرق، بل بأمل الالتحاق بغرب أوروبا الأكثر ثراء، وكان من شأن العضوية أن تدعم التجارة وتجلب مليارات اليوروهات في استثمارات البنية التحتية، وتعيد بلغاريا من جانبها بناء مؤسساتها السياسية وترتقي بها إلى المستويات الأوروبية، لكن بعد عشر سنوات، وفي الوقت الذي تستعد فيه بلغاريا لتولي رئاسة التكتل لمدة ستة أشهر لأول مرة، لم يمض هذا حسب ما كان مرجواً.

صحيح أن الصادرات تضاعفت وتحسنت مستويات المعيشة، لكن نمو الأجور مخيب للآمال، ودفع العمال إلى ترك أفقر عضو في التكتل. صحيح أن الأزمة المالية طويلة الأمد في التكتل لم تساعد في تحقيق الآمال خاصة في ظل تعثر اليونان في الجوار، لكن هذا ليس القصة الكاملة، فقد تحققت مكاسب كبيرة في رومانيا المجاورة التي انضمت إلى التكتل في الوقت نفسه، وتبنت إصلاحات بحماس أكبر. وترى «أوتيليا داند» من شركة «تينيو إنتليجانس» في لندن للمعلومات الاستشارية أن بلغاريا ربما ضيعت فرصة للتقدم، وأضافت: «مع الأخذ في الاعتبار مستوى النمو الاقتصادي ومستوى الأجور في بلغاريا كان يجب أن تكون تفوقت على الجميع، لكن هذا لم يحدث».

والفساد من الأسباب الرئيسية في تضييع فرص النمو. وتصنف بلغاريا باعتبارها أكثر دول الاتحاد فساداً. والقضية تؤثر على كثير من التحديات التي تواجهها بلغاريا. وما زال الاتحاد الأوروبي يراقب الهيئة القضائية وبعض الأعضاء يترددون في السماح للبلاد بدخول منطقة تشينجن بغير جواز سفر. وهناك مسعى جديد لمعالجة الفساد قبل أن تستضيف بلغاريا رئاسة الاتحاد الأوروبي في يناير المقبل، لكن المبادرات السابقة فشلت، ولا يثق محللون إلا قليلاً في أن رئيس الوزراء بويكو بوريسوف الذي شغل المنصب لفترة طويلة من السنوات العشر الماضية سيغير الأوضاع كثيراً هذه المرة، وأشار دانيال كاديك من مؤسسة «فريدريك ناومان» في صوفيا إلى «عدد المحاولات التي قمنا بها في السنوات الماضية في القضاء والإصلاحات المناهضة للفساد، لكن لم يتحقق شيء قط».

وتشير بيانات للبرلمان الأوروبي أن الفساد يبدد ما يقرب من 15% من الإنتاج المحلي الإجمالي لبلغاريا. والبلاد لا تحرك ساكناً لمنع خروج العمال إلى الغرب بحثاً عن أجور أفضل، وتقلص عدد السكان إلى سبعة ملايين مقارنة بثمانية ملايين من قبل في السنوات الخمس عشرة الماضية، والحد الأدنى للأجور في بلغاريا يبلغ 544 يورو (640 دولاراً) في الشهر، وهذا يمثل سدس الحد الأدنى للأجر في ألمانيا، وتؤكد سلطانكا بيتروفا نائبة وزير العمل أن تقلص السكان المنتجين في بلغاريا نتيجة الهجرة يعرقل الاقتصاد، ورغم أن الإنتاج المحلي الإجمالي يتصاعد للعام الخامس لكن يتوقع أن يظل معدل النمو الاقتصادي في ذيل قائمة النظراء، مما يعزز عمليات رحيل السكان.

ولا أحد يعلم من أين سيأتي الحل، ويتهم هريستو إيفانوف وهو وزير عدل سابق الحكومة بعدم الجدية في الإصلاح على مدار عشر سنوات، لكن الحزب الذي أسسه والمعرف باسم «نعم بلغاريا» هذا العام فشل في الوصول إلى البرلمان في الانتخابات في مارس، وذكر الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي أن «الوضع المؤسسي لمكافحة الفساد في بلغاريا ما زال ممزقاً، ولذا يفتقد إلى الكفاءة إلى حد كبير»، وبينما انتقد الاتحاد الأوروبي رومانيا التي يراقب التكتل أيضاً تقدمها القضائي لكن رومانيا تشن حملة على الفساد منذ خمس سنوات، واعتقلت عشرات المسؤولين، وتمخضت الحملة عن الإطاحة برئيس وزراء من منصبه، وقدم البرلمان البلغاري دعماً مبدئياً في أكتوبر لمشروع قانون لمكافحة الفساد يدعم مراقبة المسؤولين العموميين ويسمح بالاستيلاء على الأصول التي تتجاوز دخل المالك المفروض عليه ضرائب، وذكر تسفيتان تسفيتانوف نائب زعيم حزب «مواطنون من أجل التنمية الأوروبية في بلغاريا» الحاكم أن القانون يستهدف تنفيذ توصيات الاتحاد الأوروبي و«إظهار إرادة سياسية واضحة لمنع ضغوط الفساد». وجاء في رد مجلس الوزراء على أسئلة أرسلت إليه بالبريد الإلكتروني القول إنه «يعمل للتغلب على» الفقر والفساد.

ومن المؤكد أن بلغاريا حققت الكثير من الإنجازات في السنوات العشر الماضية. فقد أدى الانتعاش في مجال الإنشاء إلى إعادة تنشيط السياحة في مجال التزلج على الجليد وفي منتجعات البحر الأسود في البلد البلقاني، والحكومة بها إحدى أصغر النسب بين الديون والإنتاج المحلي الإجمالي في التكتل والميزانية مستقرة. وتدعم ألمانيا وفرنسا جهود البلاد للانضمام إلى منطقة اليورو، ورفعت شركة «ستاندرد آند بورز» تصنيفها الائتماني لبلغاريا إلى درجة الاستثمار هذا الشهر، مشيدة «بالموازنة الحكومية والخارجية السليمة»، ويرى «توميسلاف دونتشيف» نائب رئيس الوزراء أن مشكلة بلغاريا، إن وُجدت، هي عدم قدرة البلاد على تجاوز نظرائها منذ الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، واستضافة الرئاسة التي تتضمن قمة لزعماء الاتحاد الأوروبي في مايو يعطي بلغاريا منصة لتستعرض جهودها في التصدي للفساد، لكن مكان الاستضافة الذي ستعقد فيه الفعاليات الأساسية، وهو القصر القومي للثقافة الذي أصبح محل جدل، لأن مديره السابق يواجه اتهامات باختلاس ثلاثة مليارات «ليف» بلغاري (ما يعادل 1.8 مليون دولار) كانت مخصصة للتجديدات، ويعتقد «إيريك ستيوارت» رئيس جمعية الأعمال الأميركية الوسط أوروبية أن تولي رئاسة التكتل، التي مدتها ستة شهور تمثل فرصة جيدة للتركيز على قضية الفساد، ويرى رئيس الوزراء السابق ستانشيف البالغ من العمر 51 عاماً أن إنجازات البلاد يجب ألا يجري التقليل من شأنها، لكنه اعترف بقلة الحماس للإصلاح أحياناً، وأضاف «ستانشيف» الذي خسر الانتخابات أمام بوريسوف عام 2009: «لا نستغل كل فرصنا بفاعلية. أحياناً لم يكن لدينا ما يكفي من الإرادة السياسية لنعالج المشكلات التي واجهتنا».

*صحفيان متخصصان في الشؤون الأوروبية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا