• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الكائِنُ الشَّاعِر الذي يكتب شعراً يلفح الروح

صلاح ستيتية.. نحّاتالمعنى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

قراءتي لبعض أعمال صلاح ستيتية، أتاحتْ لي أن أتعرَّف على الشَّاعر في شعره، وأن أكتشف العمق المعرفي الذي كان يصدر عنه في رؤيته للشِّعر، وفي كتابته، والتنظير له، أيضاً. فما كتَبه من مقدماتٍ لدواوين، وأعمال فنية، تُتِيح لقارئه أن يضع يَدَه على معنى الشِّعر عند هذا الشَّاعِر، وما كان يَسْتَثْمِرُه من خبراتٍ ومعارف في كتابته. ولعلَّ في ثقافته التشكيلية، واشتغاله مع عدد كبير من الفنانين، بينهم الفنان التشكيلي المغربي فريد بلكاهية، في أكثر من عمل، ما أتاح له أن ينقل معطيات هذه التجربة، من العمل الفني الصِّرف، إلى الكتابة. عدد من نصوص الشَّاعر، هي اشتغال على أعمال فنية، أو توسيع للغة الشِّعر، بـ «لغة» التشكيل والرسم. فالفضاء، هو جزء من اشتغال ستيتية، وجزء من وَعْيِه الكتابيّ، الذي فيه يُهَيْمِن المكتوب على الشَّفاهيّ، أو يُقَلِّص من سلطته على النص.

زواج أبدي

أعماله الشعرية «الكاملة» التي صدرت في جزء واحد سنة 2009 بعنوان دالّ وعميق (Un lieu de brulur) هي تعبير عن هذا الزَّواج الأبدي، في تجربة ستيتية، بين لغة الكتابة ولغة الألوان والمساحات والأحجام، أو التعبيرات الهندسية، التي تحضُر بشكل لافِتٍ في شعره. فهو لم يَكْتَف بالاشتغال على اللغة، بما قد تُتيحُه من مجازاتٍ، أو ما يمكن أن تتوسَّعَ فيه من تخْييلات، بل إنَّ تجربته اللغوية، انْفَتَحَتْ على البُعد الرمزي، الذي يسمح للدَّوالّ أن تتناسخ وتتناسل في الصفحة، بما في ذلك، ما كان يقترحُه عليه بعض الفنانيين من رسومات، وأشكال هندسية، أو أحافير، لتكون جزءاً من بنية النص، أو إحدى دَوالِّه التي بها كان يَبْتَنِي هذا المعنى الكثير والمُتَعدِّد، أو المفتوح على ما يتجاوز حدود المعنى نفسه، إلى رحابة وانْشِراح الدَّلالة.

صوفيةرغم أنَّ صلاح ستيتية، يكتب بالفرنسية، ورغم إقامته بفرنسا لأكثر من أربعين سنة، وعلاقته بشعراء فرنسيين من الذين كان لهم حضور قوي في المشهد الشِّعري الكوني، وما شهده من أحداث كبرى، كان لها تأثير في مجريات المعرفة والإبداع الفرنسيين، فهو لم يتنكَّر لثقافته العربية، ولم يُدِر ظهره لِلُّغَة العربية، التي ظلَّ يُقَدِّرُها، ويتكلَّم بها، لإنَّه هو من اخْتار العودة إليها، باعتبارها مصدراً من مصادر تكوينه الأوَّلي، الذي يعود به لوالده، ولِما تلقَّاه من تكوين في مراحل التَّعَلُّم الأولى. كان للعربية في هذه المرحلة من حياة الشَّاعر، حضور لافِت، رغم ما يُكِنُّه صلاح للفرنسية من شَغَفٍ، وحُبٍّ كبيريْن. فهو لم يخرج من معرفته الشِّعرية بالثقافة العربية الإسلامية، ومعرفته بتاريخ هذه الثقافة، وما راكَمَتْه من معارف وإبداعات.

فحضور التراث الصُّوفي في شعره واضح، ولا يمكن لِمَن يعرف هذا الموروث، ويعرف بعض شعرائه الأساسيين أن يُخْطِئَ حضور هؤلاء في أعمال الشَّاعر، ليس من باب الاستشهاد، أو التوظيف التَّزْيينى الذي يكتفي بظاهر النص، أو بما فيه من إحالة، بل إنَّ ستيتية، كما حَرِص على تذويب ثقافته ومعرفته الفرنسيتين في رؤيته، وفي ما له من خبرة في الكتابة، وفي علاقته باللون، وبالأشكال والأحجام الهندسية التي لها علاقة بفضاء اللوحة، أو العمل الفني، فهو ذَوَّب الموروث الصوفي في تجربته، بنوع من التركيب الخيميائي، الذي هو عنده ابْتِداع برؤية حداثية، وليس تقليداً، أو اتِّباعاً، لأنَّه، في طبيعة تكوينه، كان يرفض أن يكون ما يكتبُه، سطحاً، أو قِشْرَةً، أو بالأحرى، تنويعاً على نموذج سابقٍ، أو صَدًى لصوتٍ، أيّاً كانت قيمة هذا الصَّوْت.

ذوبان فلسفينصوصه لا تنجو من الفكر، ولا تنجو من البُعد الفلسفي العميق. فنيتشه، وهايدغر، بشكل خاص، حاضرَان في هذا البُعد، ولَهُما في رؤيته الفكرية مكانهما، بما يعنيه ذلك من امتلاك لزمام فكرهما، وتشغيل له، وفق مقتضيات الحال، كما يقول القدماء. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف