• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

«التايبوغرافي» العربي.. هل يثري اللغة الفنية؟!

النّابشون في الحرف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أغسطس 2015

نوف الموسى

(العملية) تشبه تماماً فكرة تاريخية وثقت انطلاق وشهرة (الدانتيل)، تلك القطعة المغزولة بالخيط، بفتحاتها المتناسقة، وتحديداً أثر السيدة الإيطالية، جيوڤانا داندولو، التي رغم شهرتها في دعم فن طباعة الكتب، إلا أن البندقية لقبتها بأميرة الدانتيل، لاهتمامها بتلك الصناعة الجمالية، بكل ما تحمله من جهد ودقة في التنفيذ والتأمل». (بالضبط).. تلك كانت إجابة مطور ومصمم العلامات التجارية السعودي عبدالعزيز الجفن، بينما (أكيد).. مثلت ردة فعل مطورة ومصممة العلامات التجارية اللبنانية لارا أسود، حين طرحت عليهما تساؤلاتي حول أبعاد تلك التجليات العميقة للخط العربي، وأثره في منظومة تطوير العلامات التجارية، فهل العملية بين تنفيذ العلامة التجارية وتطوير أشكال وخطوط الحروف العربية، إثراء في حقل تنامي مستقبل اللغة فنياً؟ وهل ما يعرف ب «التايبوغرافي» العربي، باعتباره فن ابتكار الخطوط العربية للطباعة، مرحلة تاريخية مهمة، لتفعيل استثمار الأبجدية العربية، كونها (هوية) تتنبأ بمكانة اللغة الحضارية والاقتصادية، معلنةً بذلك مشاركتها في الإنتاج المعرفي والبصري، بوصفها المقاييس الأهم نحو مستقبل تاريخ اللغات في العالم؟

أجمل ما يمكن استشفافه في الفترة الحالية، هو ما يطلبه الفنانون أو المصممون، عادةً، من الجمهور المتذوق للفنون، بأهمية إبطاء عملية تأمل العمل الفني، وعدم التسرع في الحكم عليه إبان مشاهدته أو قراءته، ليحقق المنتج هدفه في إحداث تصور جمالي. والأجمل كذلك ما يسعى إليه الفنانون، عبر الدخول إلى زمن اللحظة، وابتكار لوحة أو عمل فني، يجعل من المتلقي جزءاً منه بشكل آني ومستدام.

في الحقيقة لا نعلم ما مدى إيمان المثقفين أو المتابعين للحراك الثقافي، بمفهوم «التايبوغرافي»، ودائماً هناك (تحفظ) للاطلاع على الأعمال ذات الدلالة التجارية، رغم أنها سبيل مهم في إحداث (تفاعل) جاد نحو اللغة العربية، التي تواجه احتفاءً مؤسساتياً في شتى الملتقيات النقاشية، إلا أنها إنتاجياً «تعاني من فقر شديد»، والتعليق الأخير هو نفسه الذي أكدت عليه المصممة الفنية لارا أسود، في أوج بحثها عن الأهمية الابتكارية للحروف العربية للطباعة، ما يجعل قرار الذهاب للأسواق التجارية مجدداً، والاطلاع على أغلب تلك الشعارات والعلامات، المصنفة بين محلات تجارية مختلفة، وشركات عالمية بطرازاتها المتنوعة، ضرورة بحثية، ليست لإتمام المقالة الصحفية فحسب، وإنما لرصد أثرها كثقافة بصرية.

عبر كتاب «الرسالة» لمؤلفه سيمون غارفيلد، يفسر الكاتب أنه «بشكل عام تكتب الرسالة، لتقرأ بصوت مسموع»، وهو نفسه الاعتقاد الساري بين «التايبوغرافيين» بأن أصواتهم كمصممين، تُسمع من خلال ما يقدمونه، ويستطيع المتلقي أن يكشف إحساسهم وخطهم الفني عبر نتائج الأعمال، وجميعها فعلياً تؤكد سر التفاعل الخاص مع أحد شعارات المصمم عبد العزيز الجفن، الذي قام بنشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي. واللافت في أعمال عبدالعزيز تأملاته الشاعرية، وتحديداً استثماره للذائقة والحس المعلوماتي لبيئته المعرفية، فعلى سبيل المثال تصميمه لشعار «غنى»، وتجسيده للعلامة التجارية ضمن معاني أيقونة الورود، يُعد أمراً ساحراً يدعو للبحث وقراءة ما هو أبعد من مجرد رصد لعلامة تجارية؛ فعندما يؤمن المصمم عبدالعزيز بالخط العربي، كأهم الفنون الثقافية المرتبطة بالإرث الشعبي، والذي يلعب الدور الأسمى في مجال عمله، فإنه يدفع بذلك المتلقي لتلك اللغة البصرية، لتعزيز مكانة اللقاءات بين الإعلام الثقافي وبين مصممي العلامات التجارية، كمؤشر اجتماعي.

عبدالعزيز.. ابتدأت حديثك بمفهوم (العلامة)، وقلت: «كل شيء في حياتنا اليوم تحول إلى (علامة)، الأشخاص والأماكن وغيرهم، مهما تغيرت أشكال التطور المجتمعي الذي يؤثر فينا بشتى الوسائل، إلا أن فكرة (العلامة) ستظل مستمرة وفق جميع المتغيرات الحياتية»، كيف تحضر اللغة عبر (الخط العربي) بمجال عملك في «عالم تصميم العلامات التجارية»؟، وكيف هي رحلة بناء عناصر العلامة التجارية (الهوية) و(الخامة) و(البيانات) عبر تقنية «التايبوغرافي»؟، وهل اللغة في منظومة الحروف الطباعية ستمتلك نفس ديمومة الاستمرار لمفهوم (العلامة)؟

اليوم بالاطلاع على أهم (العلامات الفنية) في العالم، والتي امتازت بها مختلف الثقافات، لاحظنا مدى العمق التاريخي الذي حققته، مثل (العمارة) بتجلياتها الهندسية الموجودة في روما مثلاً، مروراً بالصينيين والهنود والفراعنة، ووصولاً إلى فهمنا لقدرة الحروف العربية، واستخداماتها المتنوعة في تأسيس رافد، سيشكل بطبيعة الحال علامة متجددة للبلدان العربية وللعرب عموماً. ينظر الأجانب للحرف العربي بدهشة بصرية فذه، وأعتقد أنهم أكثر تعطشاً لتحليل المشهدية الخلابة لأشكال الحروف العربية، وبالنسبة لي فإنها وسيلة وجمالية نستطيع من خلالها أن نضاهي فيها إنتاجات علمية عالمية، وإبراز الحرف العربي كمنتج جمالي، لذلك فإن الإيمان بمبدأ تحويله إلى (علامة) يتجاوز الإطار التجاري المرتبط بمحلات التجزئة وغيرها، إلى كونه أسلوب حياة، لذائقتنا المرئية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف