• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

موال أمازيغي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

ليلى بارع

همست له حين بدأ النوم يثقل جفوني، أريد أن تحكي لي حكاية، ابتسم وقال: لكنني لا أجيد سرد الحكايات، أنت ساردة البيت التي لا تكف عن الحكي، أجبته ضاحكة: فليكن إذن، قل أي كلام بلغتك الأمازيغية، التي لا أجيدها، فقط إحك أنت وسأنام أنا.. كنت دائماً قادرة على النوم بسرعة أكبر، وأنا أستمع للأغاني الإنجليزية والفرنسية، لكن حين تكون الأغنية بالعربية فإن النوم كان يرفض المكوث طويلاً عندي، كان عقلي حينها يصحو تماماً، وكأنني سقيته قهوة عربية سوداء.

ما بدأ حكياً سرعان ما تحول لإنشاد حزين كأنه موال صاعد من قلبه، خيل لي بأنه كان يبكي بدلاً من الغناء، استسلمت للنوم وتركته لحزنه المفاجئ، احترمت دائما حزن الآخرين، خاصة حين يكون حزناً قديماً ومقدساً، ولا يرغب صاحبه في إطلاعك عليه، كان الوقوف في حدود دائرة السر وليس داخله يحميني من الشعور بالتعاطف مع فؤاد، مرت سنتان على ارتباطنا، ورغم ذلك لم يبح أي منا للآخر بأي سر، وكأننا متفقان على الاحتفاظ ببعض المسافة بيننا، لم أعلم إن كان الأمر هكذا جيداً أم سيئاً.

«هل نمت؟..»، قال همساً، حاولت التظاهر بالنوم حين أحسست بأن ذراعه تطوقني أكثر وأكثر وتجذبني نحوه، وسرعان ما وجدت نفس منجذبة إلى وجهه الذي كان بطعم الدموع المالحة، وسرعان ما انتهى بنا الأمر إلى النوم متعانقين وكأننا كنا نخشى من عدو سيبعدنا عن بعضنا البعض، أثناء نومه كان فؤاد يطبق كلتا يديه على منتصف جسدي ويهذي بكلام باللغة الأمازيغية طوال الوقت، كنت أحس بالاختناق بسبب مشاكل تنفسية أعانيها، حاولت الابتعاد قليلاً دون أن أزعجه، تقلب فجأة على جانبه الآخر علا شخيره، تنفست الصعداء وتحررت أخيراً من ثقل جسده وغرابة لغته لأغرق في نوم سريع.

مر اثنا عشر قمراً على رحيل فؤاد، كلما غفوت عادت بي الذاكرة إلى ذلك اليوم، كان يغني بصوت هامس، وكان ينتحب مثل طفل صغير، كان ينبغي أن أسأله حينها، ربما كان قد باح بكل ما كان يقبض عليه مثل جمرة حمراء تحرق جلده دون أن يتمكن من رميها لتنطفئ في ماء الاعتراف.. مر اثنا عشر قمراً، لم أستطع خلالها أن أنام دون مهدئات، وفي كل مساء كنت أحلم بموال أمازيغي حزين تعزفه الريح الباردة في هذه المدينة التي بقيت فيها في حين اختار هو العودة إلى مدينة أخرى، بعدما بلغ إلى علمه أن حبيبته السابقة قد طلقت من زوجها الثاني.. لا شك أنها هي التي كانت تنام في سريرنا كل ليلة، ولا شك أن ذلك الموال كان موالها هي بالذات.. لم أحاول البحث عن الأسباب ولا عن الدوافع ولا عن الأسرار التي احتفظ بها بعيداً عني، لكنني حين علمت بموته في حادثة سير رفقتها، قمت بواجبي كزوجة جيدة، وألقيت خطبة جميلة في حقه، وكتبت على شاهدة قبره: «هنا يرقد فؤاد الصميلي، زوج وأب وعاشق للريح»، وقد قررت تربية طفله وعدم الزواج مرة ثانية، لأن الزواج مؤسسة فاشلة، ولأنني سأحرم من معاش زوجي إن أقدمت على هذه الخطوة، لذلك حين ألح سامح في الزواج مني، كتبنا ورقة زواج عرفي تشهد على علاقتنا وتطوع بعض أقاربنا الطيبون لحضور الزفاف الذي أقمناه في بلدة سامح التي تقع في منطقة جبلية بعيدة، خبأت الورقة في أسفل علبة مجوهراتي، وقررت أن الحياة ستكون دائماً جميلة ما دام هناك شخص نحبه ويمكنه له أن يحكي لنا قصة قبل أن ننام دون أن يعلو صدره بالبكاء الحزين.

لوليتا

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف