• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

أُسرةٌ قَصَصيّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

مهند حوشي

أفنَدَ «رِوايةَ» الكِبَرُ الجاثم على كرسيّ خشبي صامت في زاوية ناطقة من زوايا غرفة الحكايات، بعد جَلسَة قَصَصية عائلية تلت فترة العشاء في صالة السَرديات.. تباغت حجرها حفيدتها الصُغرى «وَمّضة» مُمسكة بدُمية وَسيمة، أفزعتها وأثقلت كاهلَها الهرم.. وَبّخَتها أمها «قُصة» على ترويعها لجدتها المنهكة، ثم أوصتها باللطف وعدم إثارة الضجيج، قبل أن تتوجه إلى فناء المطبخ. هناك ألقت نظرة فاحصة على مكان الطبخ، وشرعت في توبيخ ابنتيها، الكبيرة «أقصوصة» والصغيرة « شَذرة»، لغسلهما الأطباق المتراكمة بأيديهما، عوضاً عن وضعها داخل الجلاية الكهربائيّة لجليها وتجفيفها تماماً. تذرعت «أقصوصَة» بعامل الزمن، بينما بَيّنت «شَذرة» الحكمة من ذلك لما فيه من تكثيف للماء المهدور، واستغلال حيز أقل. وضعت الأم سبابتها اليمنى بتماسٍ مع جبهتها، وأبرمتها يميناً وشمالاً، ملوحةً لهما بالغباء قبل أن تبرح المكان. رن الهاتف.. تبرح «شَذرة» مكانها على الفور، وتمرق من أمها مسرعة لتجيب شخصياً على المكالمة.. لم تتحدث طويلاً، بل راحت تستمع لحديث جارتها «خاطِرة» وهي تصف لها نثرها المميز في مادة الإنشاء، ومدى فرحتها بحصولها على العلامة الكاملة من قبل معلمتها «قَصيدة» المُطلّقة حديثاً. هنأتها وبادرت لإنهاء المكالمة قبل أن تسترسل جارتها في نثرها المُقتبس. سألتها أمها عن هوية المتصل وما دار في حديثهما، لمحت لها بعض الشيء عما نثرته «خاطِرة»، لكنها لم تفصح كثيراً عن مضمون المكالمة، وأرخت لخيال أمها العنان أن يسرح في التأويل والاعتقاد، بينما غاصت «أقصوصة» في الغموض متأملة، وتعاظم فضولها لمعرفة ما دار في حوار أختها شُبه الصامت مع «خاطِرة». عطفت «شَذرة» عليهما، بعد أن تمرغت في غنجها معهما، وأخبرتهما بالعلامة الكاملة التي حصلت عليها الجارة المتنعمة على الرغم من مقت معلمتها لها، لكونها من أسرة غنية متنفذة. أصيبت « أقصوصة» بالدهشة حين علمت أخيراً من الأمر ما أضمر، أما الأم فرَحّبَت بفعلها ولم ترحب بالفاعل.. رَنَّ الهاتف ثانية. تجيب «أقصوصة» هذه المرة، وكأن الشقيقتين تبادلتا الأدوار للإجابة باتفاقٍ أوليِ مُسبق، ومساحة زمنية توافقية.. قَصّت خلالها لصديقتها «صَحيفة» بعض ما دار من حديث بين أفراد عائلتها على مأدبة العشاء، ثم أعقبت ذلك بسردٍ مكثفٍ لحكاية مثيرة قصتها جدتها على مسامعهم، تبعه أمر الأطباق المتراكمة في مكان الطبخ، وتهميش دور الجلاية الكهربائية. انزعجت الأم من ثرثرتها، وطالبتها بإنهاء المكالمة. فعلت على الفور، تتطلع بامتعاض نحو «شَذرة» التي أخفت ضحكة مختنقة في جوفها.. في غرفة الحِكايات، قَصٌ لخُرافَةٍ لا تنتهي على مسامع «وَمضة»، وهي منشغلة باللعب والعبث بدمية شقيقتها «شَذرة»، التي أهداها إياها والدها «مَقال» في عيد ميلادها.. انتبهت الجدة لها، انتقدت استخدامها حاجات غيرها من دون استئذان، ثم نصحتها بإرجاعها إلى صاحبتها. لم تأبه ومضة لنقد الجدة ونصحها، وراحت تنتزع يد الدمية وساقها من خلاف. ساء الجدة كثيراً صنيعها ذاك، نادت على «قُصة» لتعالج الأمر.. حضرت قُصة إلى موقع العَبث. وبخت «وَمّضة» مُجدداً، وراحت تنذرها بقصاصٍ شديدٍ ينتظرها من أبيها حين عودته من مقابلته مع شبكة الإعلام.. دندنت «وَمّضة» بغنجها المُلَحّنِ بأنين البكاء: ماما أرجوكِ.. لا تفعلي!

لوحت أمها بسبابتها اليسرى نحو أشلاء الدمية المشرحة، وقالت تأمرها: هيا إذن! أعيدي ما اختصرت من جسد الدمية كلٌ في مكانه!

تحاول عبثاً إحكام أشلاء الدمية في مكانها:

- لا يمكنني ذلك.. ساعديني ماما.. أرجوك!

دخلت «شَذرة» عليهم فجأة. ظن مَن بالغرفة أنها ستصعق بدميتها المُشرّحة وتصرخ غضبة. سكنت مكانها، تخفي يدها اليمنى خلف ظهرها، وملوحة باليسرى الطليقة تحييهم، ثم أخرجت يدها من خباءها ببطءٍ شديد، مفترشة بأنامل كفها اليسرى أطراف دميةً صغيرةً مصبوغة شفتاها وخداها بأحمر الشفاه، وألبستها ثوباً طويلاً غطى ملامحها، وأظهرها بمظهر دمية متحركة. اكتمل عدد أفراد الأسرة في غرفة المطالعة بدخول «أقصوصة» عليهم، تبحث منهمكة في جوانب الغرفة عن حاجةٍ ما خلت منها علبة التجمل خاصتها.. لوحت «شَذرة» بالدمية وتلاعبت، ثم تراقصت وتوجهت بها نحو «وَمضة». سألتها بنبرةٍ هادئة متقطعة، تحمل في طياتها لُغزاً خفياً ما:

- هل عرفتِ.. مَن تكون.. هذه العجوز الشمطاء.. يا «حَبّابَة»؟

أمعنت «وَمّضة» قليلاً في ملامح الدمية. نطقت عيناها صمتاً حزيناً، حَمَلَ في طياته زخماً من الدَلالات. مَطَّت حاجِبَيها. انعقد لسانها تدريجياً. وأجهشت بالبكاء.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف