• الأحد 02 جمادى الآخرة 1439هـ - 18 فبراير 2018م

اكسترا ميديا

من أجل خيال علمي.. عربي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 21 يناير 2013

د. الياس البراج

من الصعب إثبات بأيهما بدأ الإنسان أولاً: التخيل «العلمي» أم الاختراع الفعلي، لكن من السهل إثبات كيف يمكن للخيال أن يحفّز الاختراعات، بالعديد من القرائن، منها أن الكثير من هذه الأخيرة قد جاءت بعد سنوات من أفكار وتصورات، منها أيضاً أن الأمم التي تشهد ازدهاراً في الاختراعات تنشط فيها بشكل موازٍ أيضاً قصص الخيال، في حين أن أمماً أخرى مُقلّة، أو متخلفة، في المجالين معاً.

في أدنى الاحتمالات ثمة تفاعل بين الاثنين بغض النظر عن الاختلاف الكبير بين بعض العلماء والمنظرين عن مستوى هذا التفاعل، وكثيرة الأمثلة التي يمكن أن تدرج في هذا الإطار، لكن من آخر مظاهر التفاعل ما تداولته بعض وسائل الإعلام الأسبوع الماضي عن الهام فيلم «مينوريتي ريبورت» لأقسام الشرطة في كل من بالتيمور وفيلادلفيا وواشنطن في الولايات المتحدة الأميركية، للقيام بتطور تكنولوجي جديد من أجل التنبؤ بحصول الجرائم.

لكن أهمية الخيال العلمي يمكن أن تذهب أحياناً أبعد من مستوى التفاعل، ومن يتابع تقنية أفلام الخيال العلمي يمكن أن يلحظ ذلك، فموجة أفلام الروبوتات، التي تلقى رواجاً منقطع النظير، ساهمت بذاتها في تطوير وظائف «الإنسان الآلي»، فهي لا تعتمد بالكامل على الخدع السينمائية وتكنولوجيا تركيب الصور، أي لا يقتصر دورها على تزويد خيال العلماء بأفكار جديدة حبكها مؤلفون ومخرجون، بل تصنع بنفسها نماذج روبوت متطورة وعملاقة، اعتمد فيها المخرجون ومتخصصو المؤثرات المرئية على «اختراعات» فعلية، إن لم يكن من حيث الابتكار، فأقله من حيث الصناعة والتقنية «هذا ما يفسر جزئياً الكلفة الباهظة لبعض هذه الأفلام، ولجوء بعض الأفلام الجادة إلى الاستعانة بعلماء ومخترعين حقيقيين».

ما تقدّم قد يبدو معروفاً ومفهوماً للبعض، وقد يبدو عبثياً للبعض الآخر من زاوية أن اللحاق بمثل هذه النماذج من آليات العمل في صناعة الخيال العلمي أمر عبثي في ضوء الظروف التاريخية والراهنة لحالة أمم كثيرة، مثل حالتنا نحن العرب، فالتفوق برأي هؤلاء حصل وانتهى، هذه الحالة النفسية مفهومة، خاصة في ظل استمرار تجاهل وإهمال مثل هذه الصناعة ومتطلباتها، رغم طفرة خريجي التخصصات التقنية والمشتغلين بالفنون، ورغم طفرة الأموال، بل رغم طفرة إقبال شبابنا على مشاهدة منتجات هذه الصناعة.

في محاولة تفسير ذلك شيء من القلق: ربما لأننا لم نواكب الأسس الأولى لثقافة الخيال العلمي، ولهذا، فإن المحاولات الحالية من بعض الكتاب والناشرين لترويج هذا النوع من الأدب لم تثبت إقدامها بعد، وقد لا تستطيع ذلك في مدى قريب لعوامل عدة أهمها الافتقار إلى من ينقلها إلى باقي وسائل الإعلام، خاصة الرائجة منها، فمثل هذه العملية تتطلب مؤسسات عمل استراتيجي، رسمية ومهنية ومدنية، وقد تبدو عملية طويلة ومعقدة، لكنها مهمة حضارية لا بد منها، ليس لأجل قيامة «صناعة» خيال علمي عربية، بل من أجل أي نهضة علمية نحلم بها، إن لم يكن في زمن الحاضر أو المستقبل القريب، فأقله في زمن الأحفاد وما يليهم ويلي من يليهم، وإلا متى ستحدث مثل هذه النهضة؟.

barragdr@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا