• الأحد 11 رمضان 1439هـ - 27 مايو 2018م

فيلم يطرح سؤالاً جوهرياً عبر لحظة افتراضية متخيلة:

«الرحلـة».. ماذا لو اكتشف الانتحاري إنسانيته؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 11 ديسمبر 2017

نوف الموسى (دبي)

هناك شيء جميل يحدث في العراق، رغم كل ما يصلنا من أخبار الدمار والحروب، وهناك شباب سينمائيون يسعون وبكل طاقاتهم لبناء وطن وثقافة ولحظة تنويرية فعلية، وتجسد ذلك عبر فيلم «الرحلة» للمخرج العراقي محمد الدراجي، الذي عُرض في مهرجان دبي السينمائي الدولي، مساء أول من أمس، طارحاً على الجميع سؤالاً جوهرياً ووجودياً عبر لحظة افتراضية متخيلة: ماذا لو كان الانتحاري على علاقة بالناس الذين سيتسبب بمقتلهم أو سنحت له الفرصة للتعرف عليهم، هل فعلاً سيقوم بتفجير نفسه؟ والسؤال هنا جماليته وأهميته تكمن بمحورين رئيسيين أولهما: أن سؤال التغير نابع من داخل المجتمع، ومبني على تغير فكر الفرد واكتشاف إنسانيته مجدداً، ما يعكس الوعي المتنامي في الثقافة السينمائية العراقية. وثانيهما: افتراض عالم قادر مجدداً على الانسجام في جغرافيا ملتهبة، يقدم مؤشراً مهماً بأن الكون مقبل على تغيرات مهولة، تعتمد بشكل أساسي على خيار الفرد في مجتمعه، والحُلم بطبيعته صانع ومحرك وجودي لا متناهٍ، لذلك فإن تمرير هذا البعد الذي قدمه المخرج محمد الدراجي للمجتمع، سيعمد إلى حصول نقلة تدريجية مذهلة من المقاومة المستمرة للألم إلى قبول الألم وتمريره نحو فضاء التلاشي.

أصر المخرج محمد الدراجي أن يصور الفيلم في العراق، ما شكل تحدياً بالنسبة للمنتجين في أوروبا، وذلك للخطورة الجسيمة، في ما يتعلق بأمن المنطقة، حيث كان يصور الدراجي على بعد أميال من داعش، إلا أن المخرج محمد يرى بأنه لا يصنع فقط فيلماً سينمائياً، ولكنه يبني وطناً وثقافة، والحاجة لوجوده في العراق كانت مهمة، في ظل غياب الصناعة السينمائية، ليشرك الشباب العراقيين ويجعلهم جزءاً حيوياً من التغيير.

من خلال عمليات الإنتاج، تم تحضير موقع التصوير (محطة القطار) وبدأت الحياة تدب في المكان، الذي يشكل منطقة التقاء لقصص أناس العراق، من عشاق مر بهم الوقت ولم يتزوجوا، مروراً بأطفال الشوارع الذين يبيعون الورد والكبريت وينظفون الأحذية، وصولاً إلى جثث تُنقل بعد أن ماتت إثر انفجار انتحاري، لتنضم الشخصية الرئيسية (سارة) التي تخبئ تحت معطفها قنبلة، استعداداً لتفجير محطة القطار.

يعيش المشاهد طوال الأحداث، وقلبه متعلق باللحظة التي تتراجع فيها سارة عن فكرة تفجير نفسها، تم إقناعها بأن هناك مسؤولين أجانب سيزورون محطة القطار، وعليها أن تعمل على تطهير بلدها منهم، إلا أن مشيئة الأقدار ترسم مسارات مختلفة للأحداث، عبر توقف المشهد الذي تضع فيه سارة يدها على الزر الخاص بتفجير الحزام الناسف، والدخول إلى اللحظة الافتراضية التي تخيلها المخرج، تصطدم سارة بالشاب «سلام»، الذي يحاول أن يعاكسها، وإذا بها تهدده وتريه «الزر» المتموضع في جيب معطفها، تدخل الشخصيتان في مرحلة حوار عميقة عن الأناس الموجودين بالمحطة، وتتعرف عليهم عن قرب، حتى يحدث موقف يقلب الأمور كلها، ففي وسط الأحداث تفر امرأة من أيدي جنود أميركان مسؤولين عن حماية المنطقة، وأثناء فرارها ترمي بشنطة سوداء على سارة وسلام، وتهرب، وإذا بطفل داخل الشنطة، العلاقة الوجودية بين الطفل وسارة باعتبارها امرأة وتمتلك حساً بالأمومة، قلب الموازين، وبدأت من تلك اللحظة خطوة التراجع الأولى عن عملية التفجير.

ما فعله المخرج محمد الدراجي، في الفيلم، ليس اكتشافاً إنسانياً لشخصية الانتحاري فقط، وإنما تمهيد لانضمام الفرد في العراق إلى الرحلة الفعلية، رحلة الإنسان إلى دواخله وسعيه للتغير، أطلق عليه المخرج محمد الدراجي أثناء حديثه، مفهوم «الأمل»، ولكنه بطبيعته يتجاوز الـ «الأمل»، إلى أفق الـ «النية» المتجذرة في الحس الإنساني نحو العودة إلى طبيعته. قدم شخصية «سلام» الممثل العراقي المبدع أمير جبارة، الذي حضر بحس الإنسان البسيط في العراق، رغم مكر الشخصية وعملها في مجال النصب والاحتيال. وحول تحضيره للشخصية في الفيلم، أوضح أمير جبارة أن المسألة كانت مرتبطة بذاكرته في الطفولة، عندما كان يُطلب منه الذهاب لإحضار المثلجات، من إحدى المحال التجارية، كان يرى أشخاصاً طيبين ونصابين ومكاريين، محاولاً استعادة انفعالاتهم عبر الشخصية. وأخيراً، أعلن الدراجي بعد عرض الفيلم بأنه سيتم توزيعه في أغلب المحافظات العراقية، ليتسنى للمشاهد العراقي رؤية محتوى رسالة الفيلم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا