• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

جنازات حارة وأخبار غير سارة في كل قارة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 06 يناير 2016

محمد أبو كريشة*

كم عدد مرات الإعراب عن القلق والامتعاض والاشمئزاز في العام المنقضي؟ وددت لو أن هواة الرصد والإحصاء والأرقام التي لا تكذب- كما يزعمون- تتبعوا تصريحات قادة وزعماء ما يسمى المجتمع الدولي، وما تضمنته من عدد مرات الإعراب عن القلق والشعور بالصدمة والإدانة بأشد وأقسى العبارات، وأن المجتمع الدولي متوحد في القضاء على الإرهاب، وأنه لا وجود للأسد في مستقبل سوريا، وأن هناك مخاوف حقيقية من كارثة إنسانية في اليمن أو سوريا أو ليبيا، وأنه لا حل عسكرياً لأزمات المنطقة، وأن الحل لابد أن يكون سياسياً.

كم مرة توحد البث الفضائي العربي بلا اتفاق مسبق من أجل نقل كلمة للرئيس الأميركي باراك أوباما أو لزعيم أي دولة غربية مع ترجمة فورية لما قيل ثم ملخص لما دار في الكلمة ثم تحليلها عبر جيش المحللين المستنفر في كل قناة فضائية عربية؟ وكم مرة خلت الكلمات من الإعراب عن القلق والامتعاض، وأننا أكثر تصميماً من ذي قبل على تدمير «داعش»، وأن أميركا لن تزج بقوات برية في الحرب على «داعش»؟ كم مرة كان التهديد لأي دولة تدعم الإرهاب أو تموله أو تشتري وتتاجر في نفط «داعش»؟ مئات وآلاف المرات يزعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ويستبشر مربع بطول السلامة.. مئات المرات يقف أبو حية النميري أمام غرفة مغلقة قال له أهله إن فيها لصاً.. ويظل يتباهى بسيف مصنوع من القش والخشب أطلق عليه اسم «لعاب المنية» ويخاطب اللص بأقسى وأشد عبارات التهديد والوعيد بأنه سيمزقه بلعاب المنية إن لم يستسلم ويخرج من الغرفة.. وتمر الأيام والأعوام.. فلا اللص يخرج ولا أبو حية يقتحم عليه الغرفة وينفذ وعيده.. تمر الأيام والشهور بلا حسم.. فلا اللص يخرج من الغرفة ولا أبو حية يهاجمه.. ولا المجتمع الدولي يكف عن القلق والامتعاض. وحتى الآن لم يخرج اللص من الغرفة، ولم يهاجمه أبو حية، والقصة على حلقات طويلة وممتدة على مدى الأعوام السابقة واللاحقة. ولم تنته كما انتهت القصة الحقيقية لأبي حية. فقد انفتحت غرفته وفوجئ أبو حية بكلب يخرج منها، فسقط سيفه الخشبي من يده وسقط هو على ظهره رعباً وقال: الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفانا حرباً!

والمشكلة ليست في أكاذيب ومبالغات أبي حية النميري الدولي الذي نسميه المجتمع الدولي، ولكن المشكلة أننا نصدقه. وتصديق الكذاب دعم له، والتصفيق للكلام المكرر صفاقة، والبث الفضائي الموحد للكلام الممل والمعاد بلاهة. وأعوام العرب جديدة في الأرقام فقط، فبدلاً من عام 2015 يقال عام 2016. أما الأحداث فلا تتغير ولا جديد يطرأ عليها منذ عام الرمادة وأعوام الفتنة الكبرى. وهناك عبقرية يتفرد بها العرب دون غيرهم من الأمم وهي عبقرية إعادة إنتاج مسلسلات وأفلام المآسي بنفس المشاهد والسيناريوهات والحوارات، لكن بشخوص وأبطال ومجاميع كومبارس مختلفين، لذلك ليس هناك يوم جديد ولا شهر جديد، ولا عام جديد في حياة هذه الأمة التي أجزم بأن نموها الفكري والعقلي والوجداني توقف عند مرحلة الخوارج والفتنة الكبرى، تلك المرحلة التي كانت أيضاً إعادة إنتاج للحروب القبلية الجاهلية بأبطال مختلفين، وتحت رايات ولافتات مغايرة.. وإعادة الإنتاج في الفن والسياسة والتصريحات والثقافة أكبر دليل على الإفلاس ونضوب معين الإبداع وتوقف النمو. لذلك كانت أمتنا وأصبحت وما زالت وستبقى أمة المحاكاة والتقليد وليست أبداً أمة الاقتداء والتأسي.

والمضحك المبكي معاً أننا علمنا ما يسمى المجتمع الدولي كيف يتعامل مع قضايانا برذيلة إعادة الإنتاج.. المجتمع الدولي المزعوم عرف أننا أمة تهوى وتجيد إعادة الإنتاج، فتعامل مع قضايانا بنفس المنطق.. إعادة إنتاج الأقوال والتصريحات وقرارات مجلس الأمن الدولي والجعجعة بلا طحن والحبر الذي على ورق. وتبقى مشاكل الأمة وأزماتها أطول عمراً من البشر والحجر والشجر ومن المجتمع الدولي ويسلمها عام إلى عام آخر عفية قوية مشتعلة، ويوصيه بالحفاظ عليها وتسمينها لتبقى عفية عصية على أي حل. ويوصيه بالتعامل معها على طريقة «أبي حية النميري»، وسيفه لعاب المنية وعلى طريقة تهديد الفرزدق بقتل مربع وبشرى جرير لمربع بطول السلامة.

واعترافنا أو إنكارنا بأن النظام العربي مات لا يغير من الأمر شيئاً.. وهذا النظام يموت بالقطعة وبالتقسيط المريح منذ الثاني من أغسطس عام 1990 تاريخ غزو العراق للكويت.. كان قبل ذلك التاريخ مريضاً وهناك بعض الأمل في تعافيه.. لكن الأمل تبدد تماماً بعد ذلك التاريخ، وكانت عواصف «الخريف العربي» قبل خمس سنوات الضربة القاضية لهذا النظام العربي الهش من الأساس، والذي لم يكن له وجود حقيقي أبداً، وإنما كان له وجود حنجوري دعائي ثرثار فقط. وكل هذه الأمم والقوى التي تتداعى علينا تداعي الأكلة على قصعتها وكل هؤلاء الإرهابيين الذين تم توظيفهم لحادين للأمة وحفاري قبور للنظام العربي ليسوا سوى مشيعين لهذا النظام إلى القبر، ومع ذلك لا نود نحن العرب أن نعترف بأن نظامنا مات، ولا نريد دفنه واستخراج شهادة وفاته. وما زال الفرزدق يهدد مربعاً بالقتل. وما زال مربع يستبشر بطول السلامة.. وما زال أبو حية النميري يتوعد اللص بالسحق وتمزيقه بسيف «لعاب المنية».. وما زال المجتمع الدولي المزعوم يتوعد الإرهاب بالويل والثبور وعظائم الأمور.. ويتوعد مموليه بالعقاب.. لكن الإرهاب يستبشر بطول السلامة وممولو الإرهاب مازالوا آمنين.. وما زلنا نخرج من حلف إلى حلف ومن قرار إلى قرار ومن عام إلى عام.. وما زالوا يقولون إنه لا وجود للأسد في مستقبل سوريا.. والصواب الذي لا يقال إنه لا وجود لسوريا في المستقبل.. ويمضي عام ويأتي عام.. ولا نرى إلا الجنازات الحارة ولا نسمع سوى الأخبار غير السارة في كل قارة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا