• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

سدود ضد الحضارة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 23 فبراير 2016

حالة من الشد والجذب، بل والتوتر تحفز للصدام، تجتاح أغلب مناطق النوبيين في أقصى شمال السودان، خرجوا جميعاً رافضين إنشاء سدود على نهر النيل، كانت الحكومة السودانية قررت قيامها بهدف توليد الكهرباء، فلماذا يرفض النوبيون في شمال السودان تلك المشروعات التنموية؟!

أسبابهم وحججهم الرافضة وبقوة لقيام تلك السدود كثيرة، منها أنها سوف تغرق حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، يتحدثون عن الجذور، عن الأصل، عن كنوز لا تقدر بثمن، يصطحبون سيرة عظيمة عن ممالك كانت ملء السمع والبصر، عن بدايات الحياة الإنسانية، عن أرض الذهب التي أشاعت أنوارها في أرجاء المعمورة، عن «تهراقا»، و«بعانخي»، و«الكنداكة»، و«ريناس»، عن ملوك وملكات جابوا الأرض شرقاً وغرباً، فأسسوا حضارات أضاءت وتضيء حتى يومنا هذا، يتساءلون، كيف للإنسان ألا يتعلم من تجاربه؟ يستذكرون إغراق وادي حلفا، بكل ما تحمل من كنوز لا تقدر بثمن، يتحدثون عن النيل والأرض والنخيل، وفي مخيلتهم مأساة التشريد والبعد عن الأرض، خرجوا في مسيرات في مدن وقرى عدة، وكان شعارهم «لا للسدود».

النوبيون السودانيون يرفضون قيام هذه السدود، مؤكدين أن هناك العديد من المشاريع البديلة لتوليد الطاقة التي تضمن استقرار أهلهم وتحفظ حضارة السودان، محذرين من تكرار تجربة سد مروي التي جلبت المعاناة لمواطني تلك المنطقة، ولم يف السد باحتياجات المنطقة من الكهرباء، وذهبت الآمال المعلقة عليه بعد أن روج له بأنه سيكفي حاجة السودان كله من الكهرباء، بل وتصدير الفائض.

وقد انضم لحملة رفضهم عدد مقدر من المثقفين السودانيين وقادة الرأي العام، من خلال القيام بتظاهرات سلمية، وتسليم مذكرات للحكومة السودانية، ولمنظمات ومؤسسات عالمية، من بينها «اليونيسكو» لتوضيح الآثار السلبية لهذه السدود.

فقيام هذه السدود يؤثر على أكثر من «70» منطقة، سوف تغمرها مياه السدود، من دال ﺷﻤﺎﻻً «مكان مقترح لإنشاء أحد السدود» وحتى مدينة القولد، جنوب حاضرة الولاية الشمالية دنقلا، وبإغراق هذه المناطق التي نجت من طوفان السد الأول، تندثر كل الأرض النوبية تحت المياه.

ويؤكد النوبيون أن رفضهم لقيام هذه السدود لا يعود لأسباب سياسية، وهم مع تنمية المنطقة، ويرون بأن هنالك بدائل عديدة للطاقة تجنّب البلاد إغراق أغنى المناطق الأثرية في السودان، وتشريد أهلها، مقابل طاقة يمكن توفيرها من خلال بدائل عملية ومتوافرة، وأن هناك العديد من الخبراء الذين أكدوا الاستفادة من الطاقة الشمسية التي تتمتع بها مناطق شمال السودان، ويمكن أن تكون حلاً أفضل من الطاقة المائية المستهدفة، بخلاف التوليد الحراري، خصوصاً مع انخفاض أسعار الطاقة حالياً.

إذن فهم يرفضون إغراق حضارة هي ملك لكل السودانيين، وسيلتهم في ذلك كل أشكال الاحتجاج السلمية، وتكوين رأي عام داخلي وخارجي من أجل الحفاظ على الآثار التاريخية الممتدة عبر آلاف السنين، والتي هي إرث عالمي.

الجيلي جمعة - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا