• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
  12:36     تعيين كازنوف رئيسا للوزراء في فرنسا خلفا لفالس     

الصحراء.. غريبة وقريبة و.. حبيبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 أغسطس 2015

ساسي جبيل

ساسي جبيل

من الصحراء مرّ الأنبياء والفاتحون والغزاة والبدو العابرون المغامرون غير آبهين بكل الحواجز، فهي طريق ومرتع ونبع وقصيدة مكتوبة بمداد خاص يأخذ من الرمل شكله المتعدد الألوان والتضاريس، الصحراء ليست هذا الفراغ الممتد في الأفق البعيد فقط، بل هي كذلك هذه الروح التي لا تتوقف عن أن تهبنا الحياة والانطلاق والحرية بلا حدود.

مع الصحراء وفيها ارتبط تاريخ حضارتنا التي انطلقت على خطو الجمال وبين النخيل الوارف الظل المولود من رحم الريح المنثور في المدى الممتد بلا توقف.

رمل منزاح من الوهاد المبللة بالندى وهو يسدل لحافه على خيوط الذرى، من التراب الناصع سطوراً تتشكل خيوط الضوء الواضح الشفيف الذي لا حدود له كفسيفساء متشاكلة الألوان قدّت من ذرات التراب وحباته الفيروزية، طرق ومسارب عالية منسابة كأودية من التراب تتماوج وتتمازج باحثة عن سبيل يفتح مجالاً رحباً، أثر أقدام لا يطول بقاؤه على البسيطة، إبل تتسلطن على الرمل مجالها الأثير، عمائم بيض لبدو يعرفون إلى أين تقودهم دوابهم في الطريق على ما في الشعاب من غبار وما في إطار المشهد من سراب، ركام يتكوّر هنا وهناك يراه الطائر أعشاشاً ويجد فيها العابر سبيلاً يهديه إلى الهدف المنشود في البعيد، زمن ناصع ورمل كاسح وتفاصيل صغيرة تسفر بلونها وبهجتها عن لوحة لم يرتكبها فنان مهما تيسر له من ألوان...الصحراء لوحة بلا إطار، وقصيدة حرة منبعثة في المدى، فمن التراب يبدأ الوجود وتتشكل الألوان جميعها معلنة بداية التكوين ومحيلة إلى ماهية الفرد الفاعل الذي لا يرد له قرار، ولا ينسحب أمام هذا الغبار الغامر والعامر بالصمت المبين، الإنسان ذلك المريد الذي لا يوقفه ماء ولا ريح ولا رمل، ولا تدمى أقدامه أحجار المسارب الرملية، الإنسان ذلك الراقص والعازف والمجنّح في البراري الممتدة بين اليابسة والأفق بلا حدود ولا قيود غير ما يربط به الحوافر التي سخرت لتكون مطيعة له وسنداً في الأيام المكفهرة وغذاء أيام الجوع الكافر، قدر الرمل أن يكون بساطا قدّ من هواء وريح أتت على الرمل في البراري لتجمعه في فضاء يليق به. هي الصحراء أرض الكادحين والمتجلدين بصبر أيوب والعارفين بدروبها وفصولها واتجاهاتها وصورها البديعة وخرائطها التي ترشد التائهين إلى ما لانهاية.

والصحراء مثلت دائماً ملهماً للمبدعين في كل زمان ومكان، فقد غنوا لها أجمل النصوص وكتبوا بمدادها أروع الملاحم، وتاريخنا المرتبط رأساً بهذه المفردة، نشأ من رحم هذا التراب الممتد في من شبه الجزيرة العربية شرقا إلى طنجة بعيداً...

فالصحراء زمن بكر وبهجة منثورة بين حبات عقد لم ولن ينفرط، توقظ في الذاكرة وميضاً وفي الروح رحيقاً وفي القلب رحابة لا تحد، فتبوح الذاكرة بالخصب وينتشر الظل في الريح معلنا غدق العطاء، ونقاوة الصفاء الذي ربما ورثه أهل الصحراء من حليب النوق منذ أن بدأوا رضاعة الحروف، ومنذ أن رسموا على الرمل أولى ألعابهم التي تحسسوا بها ما للتراب من بركة عميمة وما تحت هذا اليباب من كنوز تدر ذهبا أسود لا يشق له غبار. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف