• الاثنين 10 ذي القعدة 1439هـ - 23 يوليو 2018م

لغتنا مهدّدة بالانقراض والترجمة سبيل النجاة

من ينقذ العربيَّة الأسيرة؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يناير 2018

هاشم صالح

هدفي الوحيد إنقاذ الثقافة العربية!

سوف يقولون: يا أخي هذا الشخص بلغ به الغرور مبلغه. يا أخي هذا الشخص لا يحتمل ولا يطاق. يا أخي هذا الشخص مصاب بجنون العظمة لا أكثر ولا أقل. وحالته أصبحت متفاقمة أو مستفحلة لا علاج لها. هل يعقل أن يكون قادرا، وحده، على إنقاذ الثقافة العربية؟ ثم هل الثقافة العربية في خطر لكي ينقذها؟ ما هذا الهراء؟ ثم وهذا هو الأهم: هل هو قادر على إنقاذ نفسه على الأقل لكي يتنطح لانقاذ أمة بأسرها؟ وجوابي هو: نعم، الثقافة العربية في خطر لأن اللغة العربية ذاتها في خطر. وبمناسبة اليوم العالمي للاحتفال بها في 18 ديسمبر فسوف أنتهز الفرصة لكي أقول ما يلي: ان مصدر الخطر ليس آتيا من جهة أعدائها بقدر ما هو آت من جهة أصدقائها وأتباعها. ومن الحب ما قتل! ومن الحب ما خنق! فكوا القيود عن عنق هذه اللغة التاريخية والقدسية العظيمة. خففوا عنها الأسر. بالعربي الفصيح: حلوا عنها! اتركوها تتنفس بشكل طبيعي. اتركوها تنفتح على كل الاحتمالات اللغوية والإمكانات التعبيرية. سهلوا قواعد نحوها وصرفها وكتابتها وإملائها. اتركوها تقترب من اللهجات العامة المشتركة دون أن تذوب فيها. ينبغي أن تظل مفهومة من قبل جميع أقطار العرب لأنها القاسم المشترك الأعظم بين العرب. انها كنزهم الوحيد. من دون لغة عربية لا أمة عربية، ولا من يحزنون. اتركوها تتغذى من خيرة ما تعطيه لغة الحياة اليومية. اتركوها تتغذى بآلاف المصطلحات والاشتقاقات وتضيف كل يوم مفردات جديدة إلى قاموسها. اتركوها تتحول إلى لغة وسطى: لا عامية ولا فصحى كما يقول جاك بيرك. أقصد لا فصحى متقعرة أصبحت تثير السخرية والاستهزاء. وإلا فإنها ستجف وتموت. هل تريدون أن تلاقي مصير اللغة اللاتينية التي كانت اللغة الفصحى المستخدمة من قبل كل علماء أوروبا حتى القرن السابع عشر. وكانت الفرنسية والانجليزية والألمانية وسواها تعتبر لغات عامية أو لهجات محلية لا تليق بالثقافة والمثقفين. ثم حلت محلها وتحولت إلى لغات قومية محترمة لا تزال سائدة حتى الآن. وزالت اللغة اللاتينية أو انقرضت. فهل تريدون أن تحل اللهجة السورية أو المصرية أو الخليجية إلخ...؟ هل تريدون أن تنقرض لغة القرآن الكريم؟ معاذ الله!

من الأصولية الدينية إلى اللغوية

لكي تتحاشوا ذلك افتحوا مراكز قومية للتعريب، ووظفوا فيها مئات الباحثين المترجمين الأشداء. اتركوهم يشتغلون بحرية ويبدعون. فالترجمة فعل ابداع، جميع العلوم الحديثة من فيزيائية وانسانية ينبغي أن تنقل إلى اللغة العربية بكل نظرياتها ومفاهيمها وأطروحاتها بأسرع وقت ممكن. وإلا فإن الثقافة العربية مهددة. كل يوم ينبغي أن نشتق أو نخترع عشرات المصطلحات العلمية والفلسفية، وإلا فإن لغة الضاد سوف تنقرض. هناك لغات كثيرة انقرضت في العالم، لأنها لم تعرف كيف تساير حركة التطور والتجدد التي هي سنة الله في هذا الكون. ثم لا تنفكون تتشدقون بحبكم للغة العربية دون أن تفعلوا شيئا لإغاثتها وتطويرها. والله تحسدنا أمم العالم قاطبة لأنه تجمع بيننا هذه اللغة العظيمة التي لا تبلى. ولكن عندما أراهم يتقعرون أكثر فأكثر في كتابة هذه اللغة يكاد يجن جنوني. وأقول: هؤلاء المتقعرون على طريقة الأصمعي سوف يقتلونها لا محالة. أرجوكم احتفظوا بهذا المصطلح شديد الأهمية: «التقعر والمتقعرين»، «التكلس والمتكلسين»، و«التحنط والمتحنطين». وماذا عن التوابيت والقبور؟ هذه الديناصورات المنقرضة سوف تقتلنا قبل أن تموت. سوف تضعنا في التوابيت ونحن أحياء. العرب مهددون، أيها السادة، من قبل أصوليتين: الأولى أصولية دينية، والثانية أصولية لغوية. الأولى معروفة جيدا وتشغل المثقفين العرب من مشرقهم إلى مغربهم. ولكن الثانية غير معروفة لا أحد يتحدث عنها. الأولى تجمدهم فكرياً والثانية تجمدهم لغوياً. وفي كلتا الحالتين نخرج من التاريخ. اللهم قد بلغت!

نقل النظريات العلمية

لكن بعد هذا التحذير دعونا ندخل في التفاصيل. ما هي الطريقة الملموسة والمحسوسة لإنقاذ اللغة العربية وتالياً الثقافة العربية؟ بصراحة لا أراها إلا في طريقتين اثنتين: الأولى نقل النظريات العلمية والفيزيائية والكيميائية والفلكية والبيولوجية والطبية إليها. والثانية نقل العلوم الإنسانية والفلسفية. هناك شيء يدعى الآن في اللغات العالمية الحية بالرواية الكبرى للعالم. أو «ملحمة العالم الكبرى». كيف تشكل الكون قبل 14 مليار سنة تقريبا؟ كيف حصل ذلك الانفجار الهائل الذي أدى إلى ولادة العالم بكل مجراته وكواكبه وأفلاكه والذي يدعى «بالبيغ بانغ» في اللغة الإنجليزية؟ من اللاشيء، من نقطة صغيرة بحجم رأس الدبوس أو أقل، لا ترى بالعين المجردة، تشكَّل هذا الكون الشاسع الذي لا يزال يتوسع حتى اللحظة! شيء لا يكاد يصدق. من اللامتناهي الصغر نتج اللامتناهي الكبر. من اللاشيء ولد كل شيء. كن فيكون! صدق الله العظيم. صدق القرآن الكريم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا