• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

دين وفكر

المقدس وغير المقدس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 31 يوليو 2015

Ihab Abd Elaziz

وقع أكثر الناس بين تقديس ما ليس مقدساً والاستهانة بما هو مقدس، ووصف الشيء بأنه مُقَدَّسٌ أي: مُطَهَّرٌ مُنَزَّهٌ، وأقدس المقدسات هو الله تعالى، فهو المتصف بجميع الكمالات المنزه عن جميع العيوب، فله سبحانه وتعالى التقديس المطلق على الحقيقة، وأما المخلوقات فيحول بينها وبين التقديس المطلق ما جُبِلَت عليه من النقص، وفقرها واحتياجها إلى الله الذي أوجدها ودبَّرَها.

ومع ذلك فلا مانع شرعاً من وصف بعض المخلوقات بالتقديس، ويكون المراد الثناء عليها وتعظيمها من بعض الوجوه، كما وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بـ روح القُدُس (... وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ...)، «سورة البقرة: الآية 87»، أي: المطهر من العيوب البشرية، ووصف الله أرض الشام فقال: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ...)، «سورة المائدة: الآية 21»، ووصف الوادي بقوله: (... فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ...)، «سورة طه: الآية 12». وفي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ ى أُمَّةً لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ»، أي: لا يعظمها الله ولا يرفع لها شأناً.

والمقدسات ليست على درجة واحدة، فتقديسنا للحرمين الشريفين يفوق بقية المساجد، وتقديسُ كلِّ شيء بما يناسبه، فتقديس الأنبياء بإثبات العصمة لهم، وتوقيرهم وتعظيمهم، وتنزيههم عمَّا لا يليق بمكانة النبوة، وتقديس الصحابة بحبهم ووصفهم بجميل الأوصاف التي يستحقونها، وتقديس العلم بمعرفة شرفه والسعي في طلبه واحترام أهله، وتقديس الوالدين بتوقيرهم وطاعتهم، وهكذا.

والدين من أَجَلِّ المقدَّسات، فهو هداية الله ورحمته، والدين شامل لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي ثبتت بطريق قطعي متواتر، أو بأسانيد صحيحة، ومتى وجد المسلم حديثاً صحيحا استشكل معناه رجعَ في فهمه لأهل الاختصاص، والحكم على الأحاديث الصحيحة مِنْ غير متخصص بأنها تخالف العقل تهور لا ينسجم مع المنطق والعلم، ولو جلسَ المنكرُ للتَّعَلُّمِ قبل التهجم لَصَانَ نفسَهُ مِنْ أنْ يهرفَ بما لا يعرف، وحَمَى نفسه بالْهُدى عن الردى، ومن الكتب التي فحصها آلاف المختصين وحكموا بصحتها وفق معايير علمية بالغة الدقة «صحيح البخاري، وصحيح مسلم».

ومِنْ إجلال الدين احترام العلماء، وحفظ مكانتهم، وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من أمتي من لم يُجِل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا»، أي: ويعرف لعالمنا حقه بامتثال أمره وتوقيره، والرجوع إليه في معرفة الأحكام الشرعية، امتثالاً لقول الله سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، «سورة الأنبياء: الآية 7»، ومعَ ذلك فالعالم بشر، يصيب ويخطئ، وصوابه للمسلمين، وزلته عليه.

وإجماع العلماء حجةٌ قاطعة، واختلافهم في المسائل الجزئية الفرعية رحمة واسعة، ومتى أجمعوا وجب على المسلم الأخذ بقولهم، ومتى اختلفوا أخذ بقول أوثقهم علما وتقوى، ومَنْ جعلَ اختلاف الفقهاء مبرراً لترك أقوالهم جميعاً فهو كمن جعل اختلاف الأطباء مبرراً لتركهم والاعتماد على نفسه في توصيف المرض واختيار العلاج مع جهله بالطب، ومَنْ جعلَ احتمال الخطأ على العالم مبرراً لترك قوله، فهو كمن جعل احتمال الخطأ من الطبيب مبرراً لرفض الأطباء، وهذا التصرف لا يليق بالعقلاء.

والعلوم والمعارف منها الجلي ومنها الخفي، فما كان جليَّاً تَشَارَكتْ في فهمه أكثر العقول، وما كان خفِيَّاً اختصت به عقول الراسخين في العلم.

والشكوك التي تخالط نفوس طائفة من الشباب سببها سماع الشبهات قبل تحصيل أسس العلم، فصادفت الشبهات عقلاً لم يأخذ نصيبه من علوم المعقول والمنقول، فكانوا لُقْمَةً سائغة للأفكار الهدامة التي يتبنَّاها المتطرفون أو الملحدون، كالذي يرمي بنفسه إلى عُمقِ البحر وهو لا يُحسن السباحة، فعلى الشباب أن يحصِّنوا أنفسهم بالعلوم والمعارف.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا